صوت البرزخ ينادي / حمزة غرايري( تيتي)

شربك لعلبتين من “لوفوكس” ، وخمسة من “ادروناكس” ، و ثلاثة “سولتيك” التى نصفها لا يزال ابوك لم يدفع ثمنها بعد واشتراها بتأمين . تلك الأدوية الوحيدة القادرة على إبادة قبائل مشاعرك دفعة واحدة , وإسقاطها جامدة فوق فخذيك. لتبدأ بحملها فوق ظهرك كعمال الحضائر إلى أعلى فجوتك لكنها تستفيق هي لتقذفك من فمك . تلك الادوية التي تجتث أعشابك التي تنمو بطريقة أسطورية من أسفل قاعك الى حدود سقفك و تلوي معها أحشائك. كانت الوحيدة القادرة على جعلك تمشي دون اعوجاج , وأن تتحدث دون تأتأة , وتأكل دون أن تسقط المعلقة , وتنظر إلى المرآة دون أن تكسرها , وتمسك السكين دون أن تقتلع لحمك أو قضيبك لتطهوه . .

متأكد من شعوري بالامتنان لكل الأدوية ، لدرجة أنني قررت الرحيل بها دون سواها . طبعا فعند تمرير يدي في الخزانة و لمس العلب المستعملة ، و الأخرى التي تنتظر الاستعمال ، أشعر أنّ خطوط كفّي تطرز مرة أخرى بحواف تلك العلب ، و كأنّي أفتح كهف “علي بابا ” بكل سحره و يبدأ الوميض القرمزي بتجميع أشلائي ، و تنطلق رائحة الأدوية باستبدال بؤبؤ عينيّ حيث أنّ القديم منه قد أكلته مشاهد الحياة .

هي خلطتنا المقدسة , فالحياة تباع على شكل أقراص , و تأخذها بكمية معينة ولا يجب أن تفرط فيها ، تباع بالمال ، و الكل يتلهّف عليها . المتعة لها أسماء تجارية وأخرى علمية , وتستطيع أن تشهد أسعارها انخفاضا وارتفاعا مثل الملابس الداخلية , المتعة تستطيع لمسها و الشعور بها تحت لسانك , تستطيع أن تخبئها تحت الوسادة . لم يكذب من قال إنّ سر السعادة بسيط , نعم إنّه بسيط يكمن في مجرّد قرص  .

كم أكره تصنّع الموت ، الموت هو الذي ينحتنا لا نحن الذي نصنعه ، يظن أنّه سيضع موسيقى حزينة و يبدأ بتذكر أحداث الماضي ويشاهد شريط حياته أمامه . نحن لا نتذكر شيئاً ، لا نودع شيئاً ، لم نعد نملك الوقت لشعور بالتفاصيل الحياتية ، فأدمغتنا بيضاء كالمناديل التي نضمد بها جروحنا ، نحن فقط ننظر للنجوم فتلك وجهتها ، نحن لسنا في حالة اهتمام بالطريقة التي سنموت بها , نحن في حالة من الانتشاء بالموت ، بتلذذ بكل قطرة نشربها من كأس الحنظل .

نستطيع أن نبقى لأيام نسكر ونتقيأ في نفس المكان و نسلخ جلدنا بالقوارير الفارغة على أصوات الفأران و هم ينهشون في التخيلات الملقاة على الأرض ، ثم نضمد العظام المتعرية بالقيء طبعا ، نستطيع أن نتغوط في نفس المكان إلى أن نموت على أكوام برازنا , نستطيع شرب ألف لتراً من بولنا و حنجرتنا تبدأ تلج برائحة البول من أجل ان ننتحر .

لم أبْكِ ولو قطرة واحدة و أنا أضعهم بكلتا يدي و أقضمهم قضما ، لم ابكِ و أنا أضع الطريقة المحكمة لرحيلي قبل شهر ، و أنا أصنع تعويذة الموت وأخلطها في ليالي الباردة بما تبقى من ليلها ، لم ابكِ عندما خذلت و تركت كورقة صفراء بدون حبر يؤثث زواياها ، كنت في حالة من البرود التام كتمثال ازيس أمام بطش عبيدها للإطاحة بها ، كقطرة ماء لا تحتك فيها ذرات الهيدروجين والاوكسيجين معا ، عواصفي قد تعثرت في ثياب شرطي ، و حممي البركانية حملها طفل صغير ليصنع بيها دمية شيطانية يخيف بها أبناء الحي عندما يحاولون ضربه .

تجاوزت هذه الصورة الدرامية والكلاسيكية للحزن والقوالب المصنوعة حتى لمشاعرنا ، تجاوزت الألم لأعبر للاشعور ، تجاوزت النزيف لأكون أنا الدم , تجاوزت البكاء لأكون أنا الدمع ، تجاوزت الصياح لأكون أنا الحبال التي تتقطع . لكن لحظتها أردت البكاء أنهارا ، و اللطم على فخذيّ كجدتي عند وفاة أبناءها ، أردت البكاء خوفا من ألا أكون قد وصلت للدرجة القصوى للألم , و أضعف بعد قرصين و اعود أدراجي من طريق الموت التي اقتربت منه , و فتحت أبوابه السوداء البرّاقة على معصميها . كنت أشتمّ رائحة الجثث الممتزجة برائحة الخوف تتسرب من باب الموت ، أرى اللحوم الحمراء الطازجة تتطاير من داخله ، وأمامه حارس كان يشبهني تماما ، وجهه مصقول بالسواد ، الحزن مغروس في ثنايا وجهه ، يعطي وردة سوداء لكل عابر و يفتشه كي لا يدخل معه أي وسيلة لبث الحياة هناك ، يمنع إدخال  اغاني  “بينك فلويد” او كتب “إرنست همينغوي” او “إميل سيوران” ، أي وسيلة كانت تجعلك تلملم احزانك . لمحت في الداخل نساء عجّز يضعن أصابعهن في عيوننا ليفقعنها كالبيضة ثم تبدأن بتقبيلنا ومص لساننا إلى ان يُقتلع من جذوره ، لمحت أيضا حقولا تنبت عروقا و شرايين في خشن الاشجار وتتلوى مثل الأفاعي وطيور عرفت طفرة جنينية ، وأصبحت تطلق نباحا و أسنانها كالقرش تنزل على كتف كل سعيد لتلتهمه، إنها تحرسنا من بطش السعادة .

امام البوابة، كان الصف طويلا ، من مصباح الغرفة الى حاجبي الذي يهتز وانا ساقط على الارض ونصفي عارٍ . قابلت معلمة المدرسة الابتدائية , و صديقي الخيالي , و سارة ابنة جارتنا , كنت اسألهم عن طريقة مختصرة لدخول الباب بسرعة , خاصةً وان عائلتي قد أدركت لتو بفعلتي ، وبدأت بصفعي لأستفيق و انطلقوا في البكاء ربما ذلك تضرع للروح التي تحتضر وتعود ، اتصلوا بسيارة الإسعاف قد تأخّرت ، متأكد ان السيارة ذهبت لصديقي الخيالي الذي حاول ان ينتحر قبلي بنصف ساعة ، بدأت انا بالإسراع عندها وسط كل هذا الحشد المكتئب وصعدت فوق جمجمة طائرة وسقتها للباب ، الغريب ان الحارس كان يبعده عني ، كنت أتوسل اليه بملامحي لكنه بقي يطلق خفافيش بيضاء تجاه الباب .ازداد الصراخ فوق الجانب الدنيويّ منّي وكأن صراخهم هو الذي كان يبعد الباب ، كأن الحب هو الوحيد القادر على مساعدتنا وإبعاد الموت .

فتحي لعيني ببطء و هي مترنحة بالسعادة لتأكدها من نجاح محاولتي ، فتحي لعيني وهي متشوقة لتأمل الآخرة و تعليق الانوار الربانية على حاجبها ، حتى بعد رؤية قنينة الاكسيجين وسرير المستشفى ، ما زلت مصرّاً على انها الآخرة ، ربما الملائكة  أرادت ان تحملني الى مركز طبي ملائكي، لتمحوا لي الطريقة التي دخلت بها الباب ربما هو سر لا يجب ان ابقى اتذكره ، لكنني تأكدت بعد اعطائي ورقة طبية ليست موقعة من قبل كبير الملائكة بل من مستشفى حكومي لإرسالي لطبيب نفسي بعد محاولة انتحار ، ومعه تقرير عن حالتي وعن مكوثي ثلاثة أيام ، عندها تسألت لماذا لم ننجح في الموت على الأقل ، إن كنّا لم ننجح في الحياة ، لماذا فشلنا في الوصول للمحسوس معهم وفي العدم معنا؟ كان حلمي أن اُوضع في قبر يعلوه المرمر، أن يُلقى بي فوق خشبة التغسيل ، واُحمل فوق الاكتاف المنهكة ، و يصلون عليا في نفس المسجد الذي صليت فيه أوّل مرة في صغري و شعرت انّ الله عندها شنق نوري بحبل القدر ، كنت أريد الانصراف في أوج ربيعي ، كنت أريد المغادرة مع امتلاء سدودي بالأمطار ، كنت أريد المغادرة في موسم حصادي ، كنت أحتاج للهروب رغما انّي أنطق آيات و أنزف رُسُلاً ، في بعض الأحيان أننزف بوذا و هو متربّع ومرة عيسى وهو مصلوب ، أردت أن أغادر فكلهم يعبرون هذا الجسد الشفاف ، كلّهم يتسلقون الجدران ليشاهدوا المراكب الفضائية كيف تحملني من الشارع بأشعتها فوق البنفسجية ، كلّهم يرتطمون بحائط أفكاري ، أردت أن أغادر ، فأنا كمحفظة نقود فارغة لأب يملك 50 ابنًا ، أردت أن أغادر بعد أن استعمرتني قبيلة غجرية و بدأت بتعليق التمائم في زوايا هذه الروح ، أردت المغادرة و أن لا أخذل مرة أخرى صوت البرزخ الذي يناديني منذ كنت في مشيمة أمي .

Advertisements