“هواء مقدس” فوق سرير احتضار يزقزق/ راجي بطحيش

| راجي بطحيش |

إن أهم ما يميز فيلم شادي سرور “هواء مقدس” هو عدم سعيه أو عدم إنشغاله بالتمثيلات المختلفة للداخل الفلسطيني وتداعياتها وكيف ستبدو أمام المشاهد، وهل سترضى عنها تلك الفئة المُمثلة أم لا، وهل ستثور ثائرة فئة أخرى أم لا أيضا، فالعمل لا يمثل إلا نفسه ولا يمثل إلا صانعه، من جهة، ولكنه من جهة أخرى  يمثل أو يعكس الكثير عن قصد أو عن غير قصد. ولا شك أن هذا يضعه في جانر لوحده ضمن ما يُنجز في السنوات الأخيرة من قبل مخرجين فلسطينيين، والذين ترتكز أعمالهم كمرجعية أساسية (وأحيانا وحيدة) على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو الاحتلال أو السرديات ما بعد النكبوية وما إلى ذلك، ما جعل المشاهد يبحث بشكل عصابي ،أولا عن القضية الفلسطينية وتمثيلاتها في تترات العمل وقبل كل شيء ، ليبدأ النقاش حول “هذا يمثلنا” وهذا “لا يمثلنا” وهذا “تشويه للواقع” وتلك ” سخرية من الرموز” وما إلى ذلك من نتاج ثقافة عربية تحاكم المرموز والمرموز إليه على حد سواء. وإذا كانت المرجعية الصلبة للواقع الفلسطيني تشكل عبئا على العمل السينمائي في كثير من الأحيان، فإن غياب هذه المرجعية أو فلنقل تجريدها الفني تعمل لصالح هذا الفيلم  ما يجعله ممتعا للمشاهدة مرة ومرتين وأكثر، دون الخشية من خطابات الشخصيات الفجة والمعدة سلفا عن الواقع وبالتالي الهلع الموروث من تمثيلاته، بل الاستسلام للصورة والصياغة التشكيلية بامتياز للمتلقي الذي يستهويه هذا الجانر دون أن يبحث عما ترمز إليه هذه الشخصية أو تلك، وتنبع هذه السلاسة حسب اعتقادي من عدم تكلف المخرج

وعدم ادعائه  القدرة الخارقة على إحاطة كافة القضايا الوجودية في فيلم واحد  وبالتالي تحميل الشخصيات مصائر وترميزات لشعوب بأسرها، بل منح الفن السينمائي الأولوية والعمل الدقيق على جماليات الكادر.

 

 

في “هواء مقدس” ، تبشر لميا زوجها آدم بأنها حامل وذلك في مدينة البشارة الناصرة والتي تحولت بعد البشارة الأصلية بألفي عام وقليل إلى غيتو بحيز مأزوم وموبوء بالعنف والغوغائية واللا –جدوى كجزء من فضاء أوسع وجغرافية منهارة، وفي إطار علاقة تناصية واضحة مع قصة البشارة يفكر آدم بجدية أن يقنع زوجته بالتخلص من الجنين، فكيف يمكن جلب مخلوق برئ إلى هذا الواقع المستحيل وذلك الهواء الموبوء. يتوازي خط آدم مع سرديات جنين  يتنامى وأب يحتضر جراء سرطان في اللسان، حيث  يجهز الأب نفسه لحتمية قطعه وبالتالي بتر حكايته وحكاية جيله، آدم  هو  المحاسب الفاشل في عمله، بحياته الهشة المتآكلة  ووجوده المنسحب المهدد لمجرد خروجه من البيت وهو نفس وجوده الآمن نسبيا داخل بيته وتحديدا داخل حوض الحمام “البانيو” وهو الملاذ الوحيد له كي يكون على حقيقته وكي يفكر في المستقبل حتى وإن كانت الطائرات الحربية تحلق مدوية من فوقه لتفتت طلاء السقف المتآكل أصلا كدلالة على عدم اكتمال الملاذ، وعلى الشروخ التي يمكن أن تتمدد لتصيب وتوصم أكثر الأماكن رسوخًا. يشار هنا إلى حسن استخدام سرور لهذا  لفضاء الحمام وتوظيفه في العمل إضافة إلى توظيف جسده وجسد شريكته لإنشاء العلاقة بين الداخل، أي الحمام تحديدا وغرفة المعيشة وبين الخارج وخاصة الأماكن العامة كشوارع المدينة وإطلالات منطقة المال والأعمال في مدينة تل أبيب. ففي داخل البيت / الحمام يبدو آدم منسابا وهادئا بملامحه وأدائه وخاصة لجهة الإضاءة الحميمية وحركة الكاميرا السلسة والناعمة وزوايا التصوير التي تبرز جمالية البيت وانتماء الشخصيات إليه ، مقارنة بالخارج العنيف والمزيف والمتشظي، حيث تظهر الشخصية بزوايا تصوير منخفضة وحركة كاميرا كاريكاتيرية أحيانا وعصبية في أحيان أخرى وخاصة في الأماكن “المقدسة” حيث يفرغ التعبير السينمائي القداسة من مضمونها.

تتجسد ثيمة الأفول الاجتماعي  الحقيقية في الفيلم من خلال عملية ذبول وانطفاء الأب وصولًا إلى  احتضاره وموته فحتى المرض والموت هنا مشروط وغير مكتمل البهاء فسرير الموت في المستشفى يزقزق، والقبر الذي من المفترض أن يكون متصلا عضويا بالأرض هو عبارة عن جارور مرتفع عن الأرض بشكل ينافي القدسية المتوقعة (في إشارة لطريقة دفن الموتى لدى الطوائف المسيحية في جوارير متراصة على شكل مبنى بطوابق ) وتزاحم هذه الثيمة مسألة “الهواء المقدس” التي برأيي،  إما لم يتم تطويرها كما يجب، أو أنها لم تظهر سينمائيا بشكل جيد بما فيه الكفاية، وإن كان مشهد مؤتمر الأديان الثلاثة لإطلاق الفكرة ودخول الطائرات الحربية كتهديد فعلي وإجهاض المشروع قد أغلق هذه الدائرة غير المتماسكة، وعودة إلى ثيمة الأب (طارق قبطي في واحد من أهم أدواره)، فقد تكون مشاهد انطفاء الأب إضافة إلى مشاهد الحمام من أجمل مشاهد الفيلم وذلك باعتبار أن هذه النوعية من الأعمال التشكيلية هي أقرب إلى مجموعة اللوحات أو الفصول المستقلة – المترابطة ( Episodes) منها إلى الوحدة السردية المترابطة الواحدة، وتأتي ذروة هذه المشاهد في نهاية الفيلم عندما يحلق آدم شارب أبيه ويودعه وهو يعترف في قرارة نفسه دامعًا، أن لا معنى آخر لوجوده في مثل هذه المعطيات ، سوى أن يكون أبًا هو الآخر.

 

Advertisements