لعنة الجدار الأبيض / آية بن غنية

| آية بن غنية – تونس|

جالس امامي ، لا ادري ان كان نظره متجها نحوي ام للجدار الذي أقف أمامه ،  يتأمل ذبابة يبدو انها تجمدت او ماتت منذ مدة ، لا اعلم سنه ، يبدو انه يتراوح بين العشرينات و الاربعينات ، حسنا… ربما يكون قد  تخطى الأربعين بأعوام ، لا يبدو قصيرا ، و لا طويلا ، لا تبرز عضلاته ، لكن ليست له بطن بارزة ، لون شعره متباين بين الأشقر و الأسود ، ليست له ذقن ، او ربما قد نبتت  عندما فكرت في الكتابة عنه ..

يبدو انه علم انني سأكتبه ، حوّل نظره نحو السقف ، استرخى كما لو كان جالسا قبالة طبيبه النفساني ،لا أعلم ما الذي يجب علي كتابته حقا ، الجدار شديد البياض ، و ما من ظلّ للرجل الجالس امامي.

غريب امره ، لم أتمكن من معرفة لون عينيه ، حاول الهروب من نظراتي لكنه يبدو مثبتا بشدّة بالكرسي ، لا أذكر انني قيدته ، او ربما فعلت ، او ربما أتيت لأجده على هذه الحال ، لا أذكر حقا . اقتربت منه ، اقتربت اكثر فأكثر ، لا صوت للذبابة الملتصقة على الجدار ، و لا لون لعينيه .

تراجعت بضع خطوات للخلف،   حاولت البحث عن الحبل الذي قيد به ، فلم اجده  ، سألته ، فلم يجب ، فلا فم له .

صوت مدوّي اهتزت له الأرض، كان صوت سقوط الأوراق التي أفلتتها من يدي ، لم أكتب في البداية أنني كنت أحمل أوراقا ، لا اذكر هل كنت أحمل حقا تلك الأوراق ، وان كنت احملها حقا فانا لا اذكر لونها او الوانها ، و لا اذكر ان كانت  مكتوبة او خالية ، لا أعلم أصلا لم أضف هذا الحدث  وما أهميته ، فقد سقطت الأوراق التي لم اذكر وجودها ، بحثت عن القلم فلم اجده ، ذكرت انني اردت الكتابة منذ البداية ، و ليس لي قلم ، كيف لي ان احمل أوراقا لأكتب دون قلم  ؟  اثار الحبر عالقة بخنصري  و بنصري و على خاصرتي ، و يد الرجل امامي تمتد نحو الحبر ، مرر أصابعه عليها و حاول تذوقها فتذكر ان لا فم له .

وقفت خلفه بثبات ،  وشم  يجتاح رقبته وصولا لأذنيه ، و صوت الموسيقى ينبعث خافتا من سماعات اذنه ، و لم اسمع بعد صوت الذبابة  المقتولة على الجدار .

حاولت لمس  وشمه ، لكنني لم أقدر ،اخترقت أصابعي الرسم و جسده ، سحبت يدي و دفعت الكرسي الذي جلس عليه الرجل الذي لا فم له  ، سقط  واخترق هو هذه المرة الأرض ، اختفى تدريجيا ، و بقي الكرسي ، و طارت الذبابة التي كانت مقتولة على الجدار .

Advertisements