الحلم على قدمين / احمد حميد

| احمد حميد|

كاتب فلسطيني سوري مقيم في كوالا لمبور/ ماليزيا

|العمل الفني: نزار علي بدر- سوريا |

كانت الساعة ذات الميناء الأبيض في يدها قد تخطت الواحدة فجراً.

 وبينما كانت جالسة على الكنبة الكبيرة التي اعتادت النوم عليها أحياناً، أخذت تحدق في نافذة الغرفة التي تطل على حديقة المنزل الصغيرة. ولم تكن ترى على زجاجها سوى انعكاس لعكازة مستندة إلى الكنبة، وبعض انعكاسات مشوهة للغرفة المضاءة بالأصفر الباهت المنبعث من مصباح ينتحب في الزاوية.

 وفي نفس الوقت كانت تشعر بالليل البارد المتربص خلف النافذة والذي كان يقطع صمته من حين لآخر نقيق بعض الضفادع.

كانت ممسكة بمازج الألوان بينما كانت تغالب النعاس الذي بدأ يهيؤها لرحلتها الليلية المعتادة. كانت قد خلطت على المازج بعضاً من اللونين الأبيض والأسود، وراحت تشكلهم بضربات مضطربة من الفرشاة و بدأت تتشكل من اللونين دوائر مخروطية متداخلة ببعضها، بينما أخذت عيناها تغمضان على القماش المثبت أمامها على حامل خشبي بقائمتين خلفيتين حتى بدأت الألوان التي تلطخ القماش تتماهى مع بعضها وتذوب مع الإطباق الاخير لجفنيها.

كنت أنظر الى الساعة في يدي، لكنها كانت بيضاء تماماً ولا شيء داخلها، كمن أصابه العمى فجأة، فأنا كنت أؤمن  بأن العميان يرون اللون الأبيض فقط.

ثم نظرت حولي فميزت ما أراه، كانت بنايات عالية وأنا كنت أسير بشكل عامودي في الهواء، ولم يكن شكل المشي هذا ما يثير اهتمامي، بل إن شعوراً بالفرح كنت قد فقدته منذ أن انقلبت الحافلة في الوادي العميق كان يراودني في كل مرة أمشي بها هنا. وكنت أشعر بدوار فظيع، كأنني في زوبعة توقفت عن الدوران، لكن الأشياء فيها ما زالت تصعد، وكل ما حولي كان رمادياً كالغيوم التي تعصر نفسها جاهدة لتسقط بعضاً من مائها. ومن خلال تلك الجدران الرمادية كنت أنظر الى البنايات العالية دون أن أشعر بأنني أتخطاها، وكأننا نسير صعوداً معاً. ربما كان لهذا علاقة بالفيزياء التي لم أكن أفهمها على أي حال. حاولت أن أغمض عيني وأنتظر، لكن مهلاً .. ألست في حلم؟ قلت لنفسي نعم، ثم خفت أن أسقط وعندها ينتهي كل شيء. ففكرت إنه ربما عليّ أن أسرع بخطواتي، كنت أحس بنفسي ثقيلة كمن يمشي في رمل يغمر الكاحلين وعندما ترفع قدماً لتخطو بها تشعر بأن الخطوة التالية أصبحت أبعد لكنك تستمر في مشيك هذا لأنك مدرك بأنك تتحرك على هذا النحو، فالحكمة تؤكد على الوصول لا على الوقت، وعندها تذكرت الوقت فنظرت إلى الساعة التي في يدي، لكنها أصبحت فارغة الآن. كنت أرى ساعدي من خلالها، كعدسة التكبير التي كنا نلهو بها في طفولتنا حين نضعها على مسافة فوق يدنا ونفرح برؤية مسامات جلدنا، وكأننا نتعرف على شيء جديد في جسمنا لأول مرة. عدت وفكرت في الوقت وكيف لي أن أعرفه، وعندما تذكرت الوقت خفت أن أكون قد تأخرت، إلا أني تذكرت أنه ليس ثمة من موعد عليّ اللحاق به. “هل تأخرت عن شيء ما؟” عدت وسألت نفسي. أذكر أنه قال لي بأنه سينتظرني في غرفته، لكنه لم يحدد وقتاً. ارتحت عندما تذكرت هذا، لكني عدت أسأل نفسي بقلق: “هل أعرف عنوانه؟” وقبل أن يزداد قلقي وجدت نفسي أقف داخل غرفته. لقد كان هناك. بقدمه الوحيدة واقفاً على كرسي خشبي بقائمتين خلفيتين فقط، وكان ينظر صوب النافذة التي كان بالكاد على مسافة منها. أما النافذة فلم تكن تكشف عن شيء في الخارج، ولا حتى فراغ، رغم أن زجاجها كان شفافاً.

كنت أرى انعكاسه على الزجاج، كما أن انعكاسي كان عليه ايضاً. لكن وجهي كان يبدو متكسراً على الزجاج الذي لم يكن أملساً في الجهة التي تعكس صورتي.

كان يضع يديه في جيبه، بينما أطبقت شفتاه على سيجارة تبدو أنها أُشعلت للتو.

وكانت نظراتي تعبر عبر كتفيه ثم تصعد إلى رقبته وتعود وتنزلق على ظهره الهابط مع كتفيه كمن أرخى نفسه متشنجاً بعد وقوف طويل بوضعية الاستعداد في طابور عسكري. حاولت النظر بعينيه في انعكاس صورته إلا أن المسافة كانت بعيدة لأميز كيف كانتا تبدوان، وتذكرت بأني لم أكن أعرف بأن للذبابة المنزلية عينان حمراوان إلا عندما اقتربت من نافذة المطبخ ونظرت عن قرب إلى الذبابة التي كانت واقفة عليه. تقدمت نحوه وثبتّ نظري إلى الطاولة التي كانت خلفه وسحبت كرسياً بقائمتين خلفيتين فقط وأسندت يديّ على ظهر الكرسي وشددت ظهري إلى أعلى. كنت أقف خلفه إلى جهة اليمين. بقي ساكناً تماماً، وعندما ركزت نظري في عينيه بدتا وكأنهما دوامتين زرقاوين وسط بحر أبيض هادئ. ارتحت لسكونهما. ثم أفلتُّ يديّ عن ظهر الكرسي وأدرته نصف دورة إلى اليسار ومشيت خطوة إلى الأمام وعندما أصبح تحت مؤخرتي جلست وأشعلت سيجارة وسحبت منها نفساً عميقاً.

دون أن يلتفت أو ينزل السيجارة التي كانت تبدو كأنها أُشعلت للتو من بين شفتيه، قال بصوت عميق بالكاد كنت أفهمه: كنت أفكر منذ وقت بأنه من الأفضل أن أرمي نفسي من هذه النافذة. أخذت نفساً عميقاً آخر من سيجارتي وقلت دون أن ألتفت إليه: لكنك كعادتك لا تفعل!

– أولهذا تأتين كل ليلة؟

– ماذا تقصد؟

– تعرفين تماماً بأنني أنتظر.

كان  يبدو ساكناً تماماً وهو يتحدث، وبالكاد كانت الكلمات تخرج مفهومة من بين شفتيه المطبقتين على سيجارته التي تبدو أنها أُشعلت للتو.

قلت: – لقد نظرت إلى الساعة مرة أخرى، في الطريق.

– ألا يوجد طريقة اخرى؟

– إنها دائماً بيضاء وفارغة، ثم تختفي والأشياء تصبح رمادية في كل مرة آتي بها إلى هنا.

 ثم قلت لنفسي: “لماذا هي دائما رمادية؟”

كان اللون الرمادي يربطني بشيء لا يمكنني تذكره عندما أكون هنا. وفي كل مرة كنت أحاول أن أصنع من هذا تميمة ما، لكن دون أن أنجح.

ثم عاد ليقول:

– لكنك أنت المسؤولة عن هذا.

لو استطعت يوماً أن أتذكر شيئاً من هذا في صباح اليوم التالي.

– تعبت من الوقوف على قدم واحدة

– إنني أحاول أن أتذكر.

– لا بد أن أكون أنا هو. لقد أخبرتك بهذا، ثم إنك تأتين كل ليلة وتتأكدين بنفسك .. أليس كذلك؟ .. ألست أنا هو؟

– بلى .. لكني لن أذكر هذا غداً صباحاً

– كم تبقى من الوقت؟

– ألم أقل لك؟ لو كنت أعرف لكنا وجدنا حلاً لهذا!

-هل ستعودين غداً؟

– كما في كل ليلة.

– تقصدين أنك لم تبدئي بشيء جديد بعد؟

ربما، حين ننتهي من هذا .. عليّ أن أذهب الآن. قمت من مقعدي واتجهت إلى باب الغرفة وبدأت افتحه.

– وغداً صباحاً؟

– ذكرني مرة أخرى؟ قلت بينما أصبح باب الغرفة نصف مفتوح.

ثم بالكاد خرجت الكلمات من بين شفتيه المطبقتين على سيجارته التي تبدو أنها أُشعلت للتو ودون أن يلتفت:

– ارسمي لي قدماً أخرى أو افتحي هذه النافذة على وادٍ عميق!

Advertisements