صلامي/ مروان الخميري

|مروان الخميري |

هناء، تشتري كلَ يوم كبسوله صلامي*، تستمني بها كلّ صباح، في البدء إستمنت بالكبسولات الصغيرة ذات المائة غرام، كما كانت تفعل بنت خالتها، لمّا ضبطتها يوما تستمني بواحدة في المطبخ.

 في البدء إستبشعت هناء الفكرة ثمّ إستظرفتها  وطوّرتها حسب مقاس قُطرمهبلها الذي كان لسوء حظّها واسعا جدّا لم تستطع أعتى أيورنا العربيّة مُلامسة حوّافه، هناء في البداية لم تيأس، جرّبت خلسة عن زوجها بعد الثورة تقريبا كلّ الأيورالوافدة، اللاجئة منها والسائحة: الليبيّ، الجزائري، وحتّى السّوريّ حين كانت تقضي معظم العطل السنوية بمنزل خالتها في “الحمامات”. فحتّى بعد أن تزوّجت وصارت أستاذة انكليزية بمعهد ثانويّ بضواحي العاصمة، لم تقطع تلك العادة، زوجها لم يكن يستطيع منعها فقد كانت خالتها بمثابة أمّها التي توفيت إثر ولادتها، هي من ربّتها مع بناتها الأربع بعد أن تزوّج أبوها بأخرى،  وفهمي يتجنّب دوما مرافقتها فهو يكره خالتها ولا يحتمل المكوث معها في مكان واحد، فهي لا تملّ الثرثرة وحشر أنفها عميقا في شؤونهم الشخصيّة  وحتّى الحميمة. كما أنّه يخشى فُحشها و قلّة احترامها فهي تكاد لا تحدّث أحدا بغير بذاءة. لذلك كان يُفضلّ إرسالها إليهم والبقاء وحده في منزلهم المكترى أيام العطل، هي تنساه في تلك الفترات وهو لا يكترث لنسيانها، فرصته كي يعود الى ايّام العزوبة، وبرغم ذلك فخالتها فقط هي من تفتقده، تهاتفه دوما تصّر على مجيئه معها، غير أنّه يتعلل  دوما بألف سبب يختلقه، آخر مرّة هاتفته في زُك يوم حارق تصرخ في أذنه: “إيجا لِمْ مرتك يا ميبون، راي تنيّك عليك.”  فهمي قطع المكالمة  وإستغفر ربّه، ظنّ الظنّ الحسن بزوجته وطلب الهداية لها و لخالتها وعاد يُكمل قيلولته، فكلّ مساء تنتظره ليلة سمر طويلة، فهمي لم يكن مُغفلا كما تظن خالتها، هو ايضا يأتي بفتاة ليلة بعد ليلة فحين تغيبُ القطّة لا بدّ أن يلعب الفأر.

هناء كانت دوما تعود مُحمّلة بالخيبات العربيّة فتعود تلوذ بكبسولات الصَلامي، إقتنائها المتكررّ لها، رغم تنويعها لأماكن التبضّع بدأ يجلب إنتباه جاراتها ويُثير لديهنّ غرائز الفضول وحبّ المعرفة. لكن هناء سرعان ما تداركت الأمر  ودرأت عنها الشبهات بحبّ القطط. نزلت سوق “المنصف بايها” و اشترت اربع قطط تركيّة كبيرة

هناء تختار دوما دوامها بالمعهد مساءا أي بعد راحة منتصف النهارعكس زوجها الذي كان يعمل مثلها مدرّس انكليزية بالمعهد نفسه غير انّه يداوم دوما صباحا يتجنبّ إحراج لقائها بالمشرب أو بقاعة الأساتذة. اختارت مواقيت عملها بدقة وشاجرت وحملت أطنانا من الطحين لأجل ضبطها، فقط كي تجد الوقت المُريح و المُفضل صباحا حتى تستمني بكبسول الصَلامي بعد أن تنزع عنه قشرته الحمراء البلاستيكيّة و تغرس في جانب منه مفكّ براغ تشبّثه جيّدا بشريط لاصق صمغه قويّ. ثمّ تفتح كعادتها الراديو، تحدّد موجته عند إذاعة “موزاييك”، إذاعتها المفضّلة ثمّ ترفع صوته وتتركه يصدح كي لا يُسمع تأوّهُها أثناء نيك نفسها بمعجون بقايا الدجاج، دجاج المزرعة.

 في الحقيقة هناء لم تتأوّه إلاّ بعد تجربة الاستمناء ب660 غرام صلامي، سطحه الأملس وقُطره المناسب وشبه ملمسه من ملمس لحمة رؤوس الايور جعله حلاّ فريدا إزاء غياب تصنيع وإستيراد الأيور البلاستيكيّة والمطاطيّة في بلداننا المُحافظة وأمام عجز الأيور المحلية والمجاورة على إخراج آهة حقيقيّة أصيلة من جوف هناء.

هناء عرفت من وحيدة** جارتهم البعيدة القريبة : وكالة أنباء الحيّ، أنّ زوجها يُحوّل البيت إلى “كباريه” في غيابها، التقطت بعض صور له من شرفتها بهاتفها مع فتيات أتى بهنّ  فجرا لمّا كانت تستقيظ دوما عند أواخر الليل لأداء صلاة الصبّح، أرسلتهم الى ماسنجر هناء، صديقتها على الفايسبوك منذ اولى ايام سكنها بجوارهم حين تعرّفت عليها في صدفة تعمّدتها داخل حمام الحيّ.

هناء لم تبال  بكلّ ما يقال عن فهمي ما دام لم يقع امام عينيها. هي تعرف ان فهمي منذ مدّة لم يعد زوجها إلاّ امام النّاس، وفهمي يفهم ذلك جيّدا ويتفهمّه، هو يُدرك أيضا ماذا تفعل هناء حين تهرول كلّ آخر أسبوع إلى “الحمامات” غير أنّه لا يرغب في مُواجهة الحقيقة، ما الذي سيربحه من مواجهة الحقيقة؟ ستضره حتما أكثر مما تنفعه، كما أنّ الذي لا زال يربطه بهناء شيء أقوى من الحقيقة،، إنّه المال وما أدراك ما الخنّاس، إله النّاس. فمذ كُتب صداقهما وقبل عسل أسبوعين بطعم البصل كانا قد أمضيا على الاشتراك في قرض بنكيّ يفوق المائتي مليون لبناء منزل وشراء سيّارة يتقاسمان إمتلاكهما، كان كلّ شيء سيسير على ما يرام لو أنّ هناء رضيت بالسكن في أحد الأحياء الشعبية المجاورة، كان المبلغ سيكفي لكنّها أصرّت على شراء قطعة أرض صغيرة في حي راق كلّفتهم أكثر من ثلاثة أرباع المبلغ الذي سيُسدد على أقساط بفائض قاس على مدى عشرين سنة قادمة، فقد ملّت هناء كما صاحت في وجه فهمي يوما، جيرة وتدريس ‘البوزڨليف’ و قرفت العيش بين ‘الكعاليف’ النّزح.

 فهمي ذعن لرغبة هناء على مضض لكنه خرج عن فهمه حين لم يكف بقية المبلغ لتكملة بناء المنزل، فقط ما به بسطوا الأسس ورفعوا الأساسات وشيّدوا الحيطان المُحيطة المازالت حتى الآن بلون الآجر. هناء امتصت غضب فهمي بأن وضعت مصير إكمال البيت بيد خالتها المسنّة التي على قلّة أدبها تبقى طيّبة القلب وسخيّة اليد وتحبّ فهمي فقسماته الريفيّة وبشرته السمراء الباهتة تذكرها دوما بزوجها المتوفى، لكنّها دوما تسبّه وتحرجه أمام بناتها، تصيح في وجهه، وتطعن في رجولته، الصفّة الوحيدة التي لم يرثها من الطّاهر زوجها كما تقول، تلومه وتقرّعه كيف يترك هناء ترتع هنا وهناك كما تشاء بينما الطّاهر الذي مات منذ سبعة عشر سنة وترك لها وحدها ميراثا مريحا، كان يضربها ضربا مبرحا حتى يزرورق جلدها، اذا ما خرجت يوما بغير إذنه أو تسكعت خارجا بثياب مثيرة.. لكنّ منتهى غطرسة لطيفة تعرفه هناء وبناتها؛ زعيق طويل ثمّ شخير حتى الضحى في غرفتها المكيّفة، أما البنات فقد فتحوا بيتها دعارة وجعلوها ‘بطرونه’ دون حتى أن تعلم، كلّ ليله يأتين برجلين أو ثلاث يتقاسمن أيورهم ثمّ يطردنهم بأدب قبل الفجر بعد أن يتأكدن من خلاء الحيّ ونوم العيون. لم تكتشف لطيفة قُحب هناء إلا عبر نميمة عجوز خرفة تقطن غير بعيد عنها، حينها بدأت تشك، بعد سنوات، أنّ القحب تسللّ إلى عقر دار الطّاهر.

هناء ظلّت عذراء حتى ليلة عرسها، كم من مرّة حالفتها الفرص كي تتخلّص من عبء غشائها لكنّها كانت دوما تلوذ بالفرار، تطرد نفسها من المباراة كلّما اقترب تسجيل الهدف، عكس بنات خالتها اللائي فقدن بكارتهن ولم يُجاوزن بعد عقدهن الثاني. هناء لم تفقدها إلاّ بأير فهمي المسمريّ، فهمي الذي وقعت في حبّه منذ أكثر من سبع سنوات أوّل أيّام لقائها به في الجامعة، كانا يدرسان معا الانكليزية في ‘الڨرجاني’ غير أنّه كان يفوقها بسنتين، هي أولى وهو ثالثة، فمذ ذاك وهما يحلمان، بالمستقبل المشرق والعائلة السعيدة اللذان كان  من بنودهما حسب هناء: الحلال ولا شيء غيره حتى كتب الصّداق.

 كانت تحبّه ومن أجل حبّها رضيت أن تترك مدينتها الشاطئية الجميلة كي تنتقل للعيش معه بمنزل مُكترى في حيّ شعبي على شاطئ سبخة أين نشأ فهمي وترعرع، حيّ كثيف يحتلّه البعوض وعطن زفير البالوعات صيفا والوحل وخرز الحيطان وقيء المجاري المسدودة شتاءً.

فهمي و أيره الرقيق كان ينقر في طبل غشاء هناء كديك عجوز، كلّ ليلة يثقب فيه ثقبا حتى صار ك’كسكاس’، هكذا اكتشف أنّ بطيّخته ستتعبه فحاول وحاول حتّى سئم الحرث في البحر، الأمر يبدو ربانيّ: ما من رجل يختار طول و حجم أيره، كالقدر وما من إمراة تختار قطر وعمق مهبلها، كالمكتوب.

هناء لم تستسلم، بالكاد جاوزت ربع قرنها. لم تيأس فكلّها موجات إيجابية، تعلّمت دوما محاربة اليأس بالغباء والوهم من أستاذها بالجامعة الذي كانت لا تتغيّب عن ساعتي هرائه الاسبوعي طيلة خمس سنوات: المُنَمْ البشري.

كان الحلّ يترائى لها دوما أسود، “بيج كوك”، كلمتين تكتبهما  دوما لمُرشدنا غوغل أو في مستطيل بحث مواقع البورنو حين تكون لوحدها. تشاهد بعض ثوان رهز أيور السوّد ثمّ لا تُطيق المتابعة، تشعر فجأة بالغثيان فتغلق الحاسوب. كم من مرّة اقترحت عليها بنت خالتها هُدى أن تشاركها أيرا إفريقيا أصيلا، حين كانت دوما تتصيّدهم صيفا أيّام المهرجانات وفي حانات النزل. لكن هناء كانت دوما ترفض، هي تعافهم، تتقزز رؤيتهم ولا تحتمل الإقتراب منهم، تُغيّر دوما مكانها إذا ما جلس بجانبها أحدهم في محطّة أو وسيلة نقل، تعتقد أنهم مُلوثون وبشر درجة ثالثة كما زلّ لسانها مرّة بذلك أمام زميلتها التي تواعد أسود وتمتدحه أمامها.

هناء كانت في الحقيقة تبحث دوما عن أير أبيض بمُواصفات أسود، ما جعلها تروح و تجيء، تبحث و تستقصي في طول البلاد وعرضها عن أير بمقاسها كأمير يبحث عن قدم استثنائية في بلاد بلا سندريلا.

______

*لحوم مقددة – سلامي

**الراوي

Advertisements