يولا لا 2…/راجي بطحيش

| راجي بطحيش|

| يولا لا- مقطع من رواية يولا وأخواته- دار المتوسط 2017 – راجي بطحيش|

لم يزر عامر إميلا قبل ذلك فقد كان اللقاء العابر السابق والذي جرى فيه تبادل السوائل فقط في أحد الأحراش الصهيونية المحيطة في المدينة، لذا كان عليه أن يجهز البيت الغارق في الفوضى الخلاقة بسرعة وأن يحاول رؤيته بعيون شخص قادم لاغتصابه، ولكن وبما أن الفقرات التي تلاها عامر عديدة ومركبة فقد فكر إميل بسرعة أن البيت يعج بالصناديق وبحاجيات أمه وملابسها واكسسواراتها وأن عملية الإغتصاب الواعدة تلك تتطلب مساحة مفتوحة أكثر يسهل التنقل فيها، ففي حال أراد عامر تطبيق كل ما توعّد فيه بالفعل فقد يصاب إميل أو حتى يُقتل، لمجرد أنه نام أو صفع بالقوة وهبط على إكسسوار حاد الأطراف لا قيمة مادية له، حيث كانت الماما تعشق الذوق الجميل ولكن بما أن مواردها المادية كانت تتقلص مع العمر فقد كانت تكتفي بشراء الاكسسوارات الجميلة الخالية من أي قيمة مادية.

فتح إميل الباب لإخراج بعض الأغراض وذلك لتهيئة مسرح  جريمة  الإغتصاب، وكأن الساحة الخارجية والحديقة المنسية في الخارج بسبب ذلك الشتاء الطويل ينقصهما المزيد من الكراكيب، ولكنه لم يتوقع ما شاهده بالفعل وكأنه كان يهذي ساعتها فقد وجد أطفال يبدو من شكلهم أنهم من الهند أو سريلانكا يتخاطفون الحاجيات واحدهم من الآخر كما كانت إحدى البنات الصغيرات تحاول السير بحذاء أمي الفضي ذو الكعب العالي جدا وهي تحمل حقيبتها الأنيقة التي اشترتها من القاهرة عندما كنا نسافر بالباص لهناك كل عام، أما الأم الهندية فقد كانت تسحب الفساتين القصيرة من بين طبقات القماش، تنظر إليها بعدم إعجاب، تزّم شفاهها دلالة على عدم الرضى ثم تلقي بالفستان جانبا نحو كومة يبدو أن مصيرها مأساوي، كما كانت إحدى النسوة تسحب الفولارات والشالات بين بين الأكوام تضعها على رأسها أو تربطها على معصمها وتلقي بها جانبا أو تضعها في كيس ، ولكن عندما أخرجت غطاء الرأس الدانتيل الأسود الذي كانت أمي تضعه على رأسها في الكنيسة أثناء الصلاة، قبل أن تبطُل هذه العادة في العقد الأخير من القرن العشرين، أراد إميل أن يهب لنجدة قطعة القماش الميثولوجية هذه ولكنه تراجع وخاف أن يُحدث ذلك هرج ومرج قبل قدوم عامر، لكن القمة بحق كانت حين تناولت بنت ترتدي جاكيت سوسن الأزرق السماوي والأصفر الفاقع الذي يلائم بالفعل فتاة بسن البنت ألبوم الصور العائلية المركزي من طفولتنا المبكرة والذي نُسي لسبب ما في الخارج بسبب إهمال جانيت حيث أخذت البنت تفسخ الألبوم السبعيني بطبقة النايلون الهش والورق المقوّى المهترئ وكأنها تفسّخ دجاجة كاملة أو ضلغ خروف، وفجأة سمع إميل صراخ قادم من بعيد صار يقترب وتتضح ملامح مصدره، كان هؤلاء جماعة من عمال الحدائق والبنائين وعاملات التنظيف من المحليين جاءت لتهاجم الغرباء وتطردهم من هناك بحجة أن تلك الغنيمة لهم وتربطهم بأصحابها صلات تاريخية وهم بالتالي أولى بها…وهكذا وفي خضام العراك..تسرب عامر من بين الجموع الغاضب، حيث بدا ذلك كله طبيعيا للغاية.

جاءت عملية الربط وفقدان السيطرة وما إلى ذلك من فقرات مغايرة عما تخيّل إميل حين وافق على المغامرة، حتى أنها كانت مخيبة للآمال في أغلب الأحيان وذلك في حال كان بالإمكان ربط مثل هذه الفعاليات البشرية المظلمة…بالأمل أصلا. فقد كانت عملية الربط عنيفة حيث كان الارتباك باديا على عامر وتحركاته فقد كان عصبيا ومتوترا وكأنه يخشى أن ينسى تفصيلة مما وعد به….حتى الألقاب التي كان يلقيها على إميل متتالية لإذلاله ضمن اللعبة ..مثل جاريتي وقحبتي وشرموطتي والتي تقتضي التأنيث في مثل هذه الوضعيات لتعميق الإهانة والتراتبية الجندرية، كان يرددها وكأنه صبي ينضج بسرعة وهو فرح بما تعلم اليوم من بذاءات، ولكن عامر لم يكن يردد تلك الأوصاف بفرح بل بتوتر طفولي…أما الجلد على المؤخرة فقد كان مؤلما وجافا ولا يحيل إلى لذة تذكر، فلم يكن ذلك الوجع اللذيذ الذي اعتقده ولا الوجع على طريقة سوسن، كان وجعا مملا لا حياة فيه ولا يجعل الضحية المفترضة تنتظر بفارغ الصبر ما سيأتي، فقد أخذ إميل يتأمل أقراص الصنارة الملقية على المنضدة المقابلة له والتي تبقت من رائحة والدته وجدته ماري ويسأل نفسه شاغلا إياها ما سر هذه الحياكة ولماذا لم يحاول تعلمها مرة.

وبما أن عامر قد شعر بالملل الذي يعتري جسد إميل وبالألم الفائض عن الحاجة، فقد حاول أن يرفع سقف الايروتيكا إن وجدت أصلا فقال لإميل…هل ترين كل كتب المثقفين هذه الملقاة في كل مكان؟ هي كلها على أيري…سوف ألفها وأحشرها في مؤخرتك…صار إميل يتخيل كتب ادوارد سعيد ودريدا المغبرة محشوة داخله..فلم تعجبه الفكرة كما أنه لم يشعر بالإهانة أو بالإذلال…كان ينتظر شيئا واحدا ..أن يتخطى  عامر كل الفقرات المجدولة لذلك اليوم الأغبر وأن يلجه ببساطة ويقذف (لا يهم أين وكيف) ويذهب إلى بيتهم، ويترك له ذاكرة وجع لذيذ على الأقل…كان لا يزال يعوّل على وجع الإيلاج اللذيذ …وبالفعل أخذ يتلوى كالشبقة الجاهزة للإيلاج والتي ستموت في حال لم يحدث ذلك، فأخذ إميل يهمس بتوسل مزيف لعامر أن يأتيه من شرجه، ما زاد من ارتباك عامر..فاختفى انتصابه المتواضع أصلا وحاول حشر قضيبه المرتخى داخل إميل بعنف يائس ثم بعنف أقل..في حين كان الانتصاب يختفي أكثر وأكثر…

    • فكني، خلينا نوخد استراحة

لكن الاستراحة طالت وغادر عامر بعد أن تظاهر بأن زوجته اتصلت به وأن ابنته الصغيرة نقلت الى المستشفى بعد أن شربت سائلا لمسح الأرضيات…

لم يتضح لإميل شعوره الحقيقي لحظة مغادرة عامر وبعدها، كان الشعور مزيجا من الخيبة على ولوج لم يحدث ووجع فائض عن الحاجة وفخر لا سبب لمعطيات ظاهرية كتلك التي لدى إميل أن يشعر به، العمر، هذه الكراكيب والوحدة  ، هو الفخر بجسمه الذي تعرف عليه أكثر وأكثر في ذلك اللقاء وبأنه لا زال قادرا أن يختار شركائه ويلفظهم متى شاء ذلك، ذلك إضافة إلى قناعة جديدة أخذت تثبت نفسها رويدا رويدا لديه ولكنها في ذات الوقت  قد تتفتت فجأة أيضا  وخلال لحظة واحدة بأن الايروتيكا في المدن الصغرى والمتوسطة يشوبها الكثير من الاعتبارات الأخرى ما يجعلها عرجاء في كثير من الأحيان فالمجهولية تبقى هشة جدا كما أن اتفاق التواطؤ المتبادل بين شركاء الفاحشة قد ينتهك في أي لحظة عندما يشعر الأطراف أنهم ينتمون لنفس الدوائر الاجتماعية أو العائلية مثلا دون أن يعرفوا ذلك من قبل، وأن الشعور بأن ثمة أمور كثيرة ومثيرة تفوتك في كل لحظة معطاة هو وهم ..مجرد وهم في غالب الأحيان..فأنت ..أي إميل، مصدر لحظتك المثيرة وأنت من ينتجها…

مسح إميل السوائل المختلفة التي غطت بدنه الآخذ بالهرم والملقى على طرف الاريكة …تناول كتاب “الجهل” لميلان كونديرا وبدأ قراءته من جديد.

الإعلانات