الاستمناء: “كل شخص هو أفضل عاشق لنفسه”!/ سلافوي جيجك

|سلافوي جيجك|

أيُّ نوع من الجنسانية يناسب هذا العالم؟ في السادس من آب 2006، كانت لندن تستضيف أول مهرجان للاستمناء في المملكة المتحدة، وهو حدث عام شارك فيه مئات الرجال والنساء الذين يمتعون أنفسهم دفاعاً عن العفّة (ممّا يزيد في أرباح وكالات الصحة الجنسية والتناسلية)، وكي يزيدوا من إدراك الناس لشكلٍ من النشاط الجنسي هو الأكثر شيوعاً وطبيعية وأماناً، ويتخلصوا من الشعور بالعار والمحظورات التي تتواصل حولهم. تم ابتكار هذه الصيغة “الاحتفالية” من قبل Good Vibrations (وهي شركة في سان فرانسيسكو تُعنى بالصحة الجنسية)، كجزء من شهر الاستمناء الوطني الذي أسّسوا له وظلوا يستضيفونه منذ عام 1995، في نفس التوقيت الذي يصادف مهرجان الفنون الأصلي في سان فرانسيسكو. وهنا تبرير الدكتورة كارول كوين لهذه المسألة:

“نحن نعيش في مجتمع يخضع فيه التعبير الجنسي دائماً للتشريعات والمضايقات، وغالباً ما تتم إدانةُ السعي إلى المتعة الخالصة بصفته شيئاً أنانياً وطفولياً. كثرٌ ممّن يحسبون أنفسهم متحررين من التوتر الجنسي أعادوا ببساطة كتابةَ هذه المعادلة: “الجنس خير فقط إذا كانت غايته الإنجاب”، فجعلوها “الجنس خير إذا اشترك فيه عاشقان” (…) الاستمناء هو نشاطنا الجنسي الأول، ومصدر طبيعي من مصادر المتعة المتاحة لنا جميعاً طوال حياتنا، وشكل فريد من التعبير الخلاق عن الذات. ففي كل مرة تمارس فيها الاستمناء تحتفي بجنسانيتك ومقدرتك الفطرية على الاستمتاع، فإذن أعِنْ نفسك بنفسك! (…) قد يكون الاستمناء فعلاً راديكالياً، والثقافة التي تمنع الاستمناء قد تمنع أيضاً الكثير من الحريات الشخصية الأخرى. في أثناء احتفالكم بشهر الاستمناء الوطني ومساهمتكم بدوركم في إخراج حبّ الذات إلى العلن، تذكّروا أنّ الحرية الإيروتيكية جوهر الوجود المعافى والحقيقي في كل مكان”.

الموقف الإيديولوجي، المبطِّن لملاحظة الاستمناء هذه، يتميز بصراع بين شكله ومضمونه: إنه يؤسس شيئاً جمعياً من خلال أفراد مستعدين ليتقاسموا مع الآخرين الفردانيةَ الأنانية لمتعتهم الخرقاء. وهذا التناقض، على أية حال، أشدُّ وضوحاً مما هو عليه في الواقع: فقد عرف فرويد مسبقاً الرابطَ الذي يجمع النرجسية مع الانخراط بين الجماهير، وأدق تعبير يُحسنُ وصفَ هذا الأمر هو العبارة الرائجة في كاليفورنيا: “أن نتقاسم تجربة”. يتأسّس جمعهم بين الصفات المتعارضة في هذا الاستثناء الذي يتقاسمونه: لا يسع المرء أن يكون موجوداً فحسب، وإنما المرء “وحيد في حشد”، أي أنّ عزلة الفرد وانخراطه/ها في حشد يستبعدان التواصل المناسب عندما يقابل شخصاً آخر (ولهذا السبب، مثلما أفاد آلان باديو بطريقة شديدة الوضوح، اليوم أكثر من أي وقت مضى، يجب التأكيد على أهمية الحب وليس المتعة المحضة؛ إنه الحب، المواجهة بين اثنين، ما يستبدل المتعة الاستمنائية البلهاء بحدث لائق).

إنّ الحد الأدنى من رهافة الحس ليخبرنا بأنّ الاستمناء أمام شخص آخر هو أمر أكثر صعوبة من التورّط في فعل جنسي معه أو معها: فحقيقة اختزال الآخر إلى مجرد متفرج لا يساهم في نشاطي أنا، تجلل فعلي بالخزي أكثر بكثير- هذا هو السبب في أنّ أحداثاً مثل “الاستمناء” تؤذن بنهاية الإحساس الضروري بالخزي. وهكذا، فإن “الاستمناء” هو واحد من المؤشرات الأكثر وضوحاً التي تحدّد المكان الذي نقف فيه اليوم، والإيديولوجيا التي تحفظ أشد تعبير حميمي لنا عن ذواتنا- حسبنا أن نعيد قراءة قائمة الأسباب التي اقترحتها كوين تحت عنوان “لماذا الاستمناء”:

1) لأنّ المتعة الجنسية حقّ كل شخص بالولادة؛ 2) لأنّ الاستمناء هو الممارسة القصوى للجنس الآمن؛ 3) لأنّ الاستمناء تعبير مبهج عن حبّ الذات؛ 4) لأنّ الاستمناء يقدم العديد من المنافع الصحية التي تتضمن: التخفيف من آلام الحيض، التخفيف من الضغط النفسي، إطلاق المورفينات الداخلية، تقوية عضلات الحوض، التخفيف من انتانات غدة البروستات عند الرجال وزيادة المقاومة للإنتانات الفطرية عند النساء؛ 5) لأنّ الاستمناء منشط ممتاز للجهاز القلبي الوعائي؛ 6) لأنّ كل شخص هو أفضل عاشق لنفسه؛ 7) لأنّ الاستمناء يزيد من الإدراك الجنسي.

فإذًا، كل شيء موجود هنا: تنامي إدراك الذات، المنافع الصحية، النضال ضد القمع الاجتماعي، الموقف الأشدّ تطرفاً وصواباً من الناحية السياسية (فهنا بالتأكيد لا يساور القلقُ أحداً)، والتوكيد على المتعة الجنسية في أشد أشكالها بدائية – “كل شخص هو أفضل عاشق لنفسه”. إنّ استخدام التعبير المأثور عادة عن المثليين جنسياً (الاستمناء “يخرج حب الذات إلى العلن”)، يلمح إلى ضرب من الأسباب المبهمة لهذا الاستبعاد التدريجي لكلِّ ما هو آخر: أولاً في المثلية، الجنس الآخر مستبعد (إذ تتم الممارسة مع شخص آخر من الجنس ذاته)؛ ثم، ومن خلال قانون نفي النفي في استخدام هيجلي ساخر، يتم إلغاء الآخر تماماً فيمارس المرء الجنس مع نفسه.

(عن “الأوان”)

Advertisements