برهان العسل: المفكر والتاريخ الشخصي / سلوى النعيمي

| سلوى النعيمي |

المفكر حكاية وحده.

قسمت حياتي قسمين: ق م، و ب م:  قبل المفكر وبعد المفكر.

كنت أصل إليه مبللة تمامـًا. يكفي أن أفكر فيه كي يفور دمي.

كان المفكر يقولها لي: أنت دائمـًا مهتاجة. لم أرك إلا محمومة. كنت أبتسم ولا يخطر لي أن أشرح له أنه سبب ارتفاع الحرارة في صدري. أرتمي عليه وتتأكد تحليلاته.

 مرة في المترو كنت مستغرقة في استرجاع لقائي معه عندما تنبهت إلى الرجل الجالس في مواجهتي يحدق فيّ. ينظر إلي وكأنه يتفرج على فيلم بورنوغرافي. ينظر إليّ وكأنه يقرأ أفكاري. ألم يقل لي المفكر مرة، ونحن في المقهى وأنا أغالب شهوتي إليه في مكان عام: لم أعرف قبلك امرأة يعلن وجهها “انتصابها”.

كنت أصل إليه مبللة وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقي يتفقد “العسل” كما كان يسميه، يذوقه ويقبلني ويوغل عميقـًا في فمي وأقول له: من الواضح أنك تطبق وصايا الرسول وتقتدي به: لا يقع أحد منكم على أهله كما تقع البهيمة. وليكن بينكما رسول: القبلة والحديث. وعن عائشة: إن رسول الله كان إذا قبل الواحدة منا مص لسانها.

كيف يمكن لي ألا أكون بنت هذا التراث؟.

كيف يمكن لي ألا أذكر المفكر به؟.

لم يكن بحاجة إلى من يذكره بتراثه. هنا كان مسلمـًا بامتياز. وأنا أيضـًا.

كنت أذهب إليه في الصباح قبل العمل. أصعد الدرج ركضـًا. رنة الجرس الخفيفة ويفتح الباب فورًا وكأنه ينتظرني وراءه، نصفَ نائم. أرمي ملابسي وأدخل السرير ملتهبة. ألتصق به وأبدأ في تشممه. يرفع الغطاء وتمر يده على تفاصيلي ببطء. يتذوق عسلي بجدية راضية، وأتفقد بشفتي كل موضع من جسده. عيناي مفتوحتان وجسدي. بين تسرعي المتلهف وتمهله المتلذذ نجد إيقاعنا. يمر الوقت ولا نفترق. لا نتوقف. تحته، فوقه، إلى جانبه، منبطحة على بطني، راكعة على ركبتيّ. بين كل وضعية وأخرى يردد جملته: عندي فكرة. كانت أفكاره لا تنتهي، وأنا أحب الفلسفة. سميته: المفكر.

المفكر حكاية وحده.

قسمت حياتي قسمين: ق م، و ب م:  قبل المفكر وبعد المفكر.

 قَبلَه كانت الجاهلية الأولى.

 لا يعني هذا أنني كنت عذراء الروح أو الجسد. لا هذه ولا ذاك. لم أكن مثل حواء التي سألت آدم عندما نام معها للمرة الأولى: ما هذا؟، قال: يسمونه النيك. قالت: أكثر لي منه فإنه طيب.

 أنا، مع تجاربي العملية وقراءاتي السرية والعلنية، كنت لا أعرف اللذة إلا معرفة شبه واعية. معرفة غامضة، كصورة قليلة الدقة، مهزوزة. جاء المفكر وانتظمت التفاصيل في أمكنتها. وضحت الخطوط والألوان وتركزت الإضاءة. لم أعد أمثل دوري، صرت أنا.

ق. م كانت الجاهلية الأولى؟.

 ألتقي رجالاً، أصطفيهم ويصطفونني. أعرف ما أريد ولا يعنيني ماذا يريدون. صفحات ممتلئة بكلمات ينكتب بعضها فوق بعض. تتراكب من دون أن تمحي. وفي النهاية تنفرش أمامي مسودةً مشوشةً لا يحل رموزها أحد، ولا حتى أنا. صفحات مكتوبة بشيفرة سرية. جاء المفكر ليلقي الضوء وينظم الأساطير. لم يَجُبَّ ما قبله، ولكنه جعلني أدخل في منطقة وعي جديدة لأقرأ سطري من جديد.

ب م، كان عصر النهضة الجنسية. نهضتي أنا. وكل ما عشته بعده مع رجال آخرين كان ملونـًا بحكايتي معه.

هذا شيء لا علاقة له بالإشباع.

كنت قبله مكتفيـًة شبعانةً مرتويـًة وكان ذلك واضحـًا علي. عندما تشكت الصديقة أن بعض السحاقيات يغازلنها في تظاهرة فنية للنساء قلتُ مازحة: لم تغازلني أية امرأة حتى الآن، علق الجوّاب: رائحة الرجل تفوح منك على بعد كيلومترات وتريدين أن. .

هو فهم ذلك أيضـًا.كان يقول لي: اعتدتِ حتى الآن على شبع (الفاست فود) معي تعيشين شيئـًا آخر. كان محقـًا؟.

ربما .

كان يقول لي: النساء نوعان: المرأة الخسة، والمرأة الجمرة. وأنا؟  أسأل بخبث. لا يرد بل يجذبني إلى صدره وأرتمي عليه ويقبل عيني وشفتي، وأمص ريقه، ويحسس على بطني وأفتح ساقيّ ويدخلني عميقـًا ليحترق معي. أود أن أسأل: والرجال، كم نوعـًا للرجال؟  وتنسيني لذتي كل الأسئلة.

إيقاعنا الواحد جاء منذ البداية. لم نحتج لتمرين أو دوزنة. يدهش هو ويعلن دهشته. لم يكن لدي الوقت كي أشاركه الإعلانات. كنت في حكايتي معه مكتملةً. أسكت. ألتصق بجسده وأغمر وجهي تحت إبطه وأتنفس رائحته ملء صدري.

فائدة الجماع الأول شهوة، والثاني لذة، والثالث شفاء.

كان يعانقني خلف الباب المغلق عناقَ الوداع ولا نستطيع فراقـًا. يقبلني ويقبلني، ولا أستطيع فراقـًا، وأركع أمامه وأنحني أفرك رأسي عليه وأريده أن يملأ فمي وأكاد أختنق لهفةً، وينتشر وأمتص شرهةً حتى آخر قطرة وأرفع عيني إليه لأرى وجهه المعذب باللذة يتشنج مرميـًا إلى الوراء ويداه على شعري. الآن فقط يمكن لي أن أعود إلى العالم مضيئةً بطعمه في فمي ثقيلاً أبيضَ حلواً يتضوع برائحة الكافور الواخزة. كما   في الكتب.

كان يقول لي: أنت جميلة. بعد كل فترة ابتعاد يقول وكأنه ُيصدم لرؤيتي: تزدادين جمالاً. الترمل يليق بك. أفكر أنني لست أرملةً لا في غيابه ولا في حضوره. أبتسم وأكاد أعيد جواب غارانس في “أطفال الجنة “:لست جميلة، أنا حية فقط، هذا كل شيء.  لا أقول شيئـًا ويفهم صمت ابتسامتي.

كان يسوّر معصمي بين إصبعين ويقول لي: هذا ما يعود إليّ عندما أفكر بك. مفتوحةً ومغلقةً. تنطبقين عليه في حركة دائمة. هذا نادر. يضغط علي أكثر وهو يشرح لي. الاكتشافات معه لا تنتهي.  كلها جديدة علي. هذه يسميها كسارة البندق. سأبحث عنها في المعجم الجنسي فورًا.

لا أقول له إنني أبقى أيامـًا بعد خروجه مني أتحرك بإحساس أنه ما يزال فيّ. أتحين الدقائق التي أبتعد فيها عن الآخرين لأغمض عينيّ وحدي: أمتلئ به من جديد.

يقول لي: لا تتكلمين كثيرًا، وأكتفي بابتسامة. أكلم نفسي. تعودت أن أكلم نفسي. حتى معه؟.

كان يغمض عينيه وكأنه يستعيد صورًا مخزونة: ما يرتسم أمامي هو الأخدود وسط الظهر ينتهي على حدود الغمازتين العميقتين وخطوط المؤخرة تستدير بعد الخصر وما تحت القبة إلا طريق الحرير. تعرفين هذا؟ يسألني، وأجيب عابثة: لا أستطيع أن أرى ما ترى من الموقع نفسه. سأحضر آلة التصوير في المرة القادمة إذا كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة لإقناعك. يجيب وكأنه يريد إفحامي.

قال لي المفكر يومـًا بعد غياب: هل تفكرين فيّ؟. قلت: نعم. قال: إنه الحب إذن. سكتُّ ولم أجب.

ما كان للمفكر أن يمشي إلى جانبي من دون أن يضع يده على مؤخرتي يتحسسها من فوق الثياب أو على اللحم مباشرة. أصرخ مبتعدة: مجنون. نحن في الشارع. يرانا الناس. كنتُ جبانة، وحريتي الجنسية العملية لا تعبر عن نفسها إلا بعيدًا من عيون الآخرين. تلفتين نظر الناس عندما تبتعدين.  إنهم لا يرون شيئـًا. لا أحد ينظر إلينا لو تابعت السير بهدوء، يرد وهو يعيد يده إلى. أشهق رغمـًا عني، وألتصق به وأنسى العيون الغريبة.

صار يبحث عن باب أول عمارة كي يجذبني إلى الداخل ويقبل شفتي ويمص لساني ويتحسس صدري. في البداية كنت مضطربة. بمرور الأيام صرت أمشي إلى جانبه وعيناي تبحثان معه عن مكان يمكن لي فيه أن أقبله وأمص لسانه وأتحسس جسده.

كتب لي المفكر يومـًا يتحدث عن الحب. قلت لنفسي: كيف يستعمل كلمة مثل هذه. أتجنبها قدر ما أستطيع. معه ومع الآخرين. أنا لا أعرف الحب، أعرف الشهوة. الحب ينتمي إلى عالم من الماورائيات يتجاوزني، ولا أريد أن أركض خلفه. الشهوة، شهوتي أو شهوة الآخر، أعرفها، ألمسها، أراها، أشمها، أعيش إعلاناتها وتحولاتها. هي وحدها تمسك بيدي وترافقني إلى مساحاتي المجهولة.

الحب للروح والشهوة للجسد. أنا لا روح لي. الجملة سكنت رأسي قبل أن أكتشف أن هناك تاريخـًا حَرَمَ النساء من الأرواح.

عندما كنت صغيرة لم أجد روحي. عندما كبرتُ لم أتعب نفسي في البحث عنها. «لا روح لي» انحفرت الجملة في رأسي وصارت حياتي تمر من خلالها. كنت أعرف أني جسدي فقط. لا أملك شيئـًا آخر. جسدي هو ذكائي ووعيي وثقافتي. من يشته جسدي يحبني. من يحب جسدي يشتهيني. هذا هو الحب الوحيد الذي أعرفه، والباقي أدبيات.

عندما سألني المفكر في البداية: هل ما بيننا هو الجنس فقط؟، لم أجب. لم أقل له: إنني لا أحب إلا بجسدي. ليس لدي تعبير آخر عن الحب.

ق م كانت حياتي المعلنة وحياتي السرية تتوازيان. كنت قد تعلمت في المدرسة صغيرةً أن الخطين المتوازيين لا يلتقيان أبدًا. يقول بعض المتهكمين: إن هذا التعريف تلحقه في مدارس المملكة العربية السعودية جملة: إلا بمشيئة الله. هذه حكاية أخرى.

 كان خطا حياتي المتوازيان لا يلتقيان أبدًا، كما في كتب الهندسة. جاء المفكر وبدأت الأمور تتخربط كما في الكتب المدرسية السعودية.

بدأت الأمور تتخربط في رأسي قبل كل شيء. صرت أحمله معي إلى حياتي المعلنة، أفكر فيه، أبحث عنه، أتشوق لرؤيته. بدأت أخاف. ليس هذا ما عودت نفسي عليه. التوازي هو عماد حياتي. زعزعته تعني أن ينقلب كل شيء، وما كنت أريد أن ينقلب. رسمتُ كل شيء بمهارة مخرج كبير، والخروج عن النص يعني شيئـًا واحدًا: لن أحرك خيوط حياتي بعد الآن. ستتفلت مني واحدة بعد الأخرى، ولن أقوى على الإمساك بها من جديد.

ما كان يمكن لي أن أنظر إلى وجهي في المرآة من دون أن أتذكر ما يقوله لي «بعد الحب تسود عيناك ويضيء جلدك وكأن نورًا تحت مسامك». «كل النساء كذلك بعد الحب»،كنت أجيبُ. يقتربُ بوجهه من صدري، يمرغه بين ثديي، أضغط بذراعيّ حوله لينحشر بينهما أكثر، لأحسه بينهما أكثر.

ما كان يمكن لي أن أرى جسدي إلا وأسترجع تعبيره لحظة اقترابنا الأولى وهو يسبح بحمد الله. ضحكتُ: الذي لا يحمد على مكروه سواه؟. يضمني إليه عاريـًة حارة،ً يقبلني وأنسى أن أضحك.

في الحلم كان المفكر ينتظرني، ولم أكن أعرف كيف أتخلص ممن يحيطون بي كي ألحق به. حكيتُ له الحلم ولم يضحك. كما في الحياة أنت في الحلم، عاجزةٌ، لا تستطيعين شيئـًا. قالها لي بقسوة وهو ينظر في عينيّ. حولتُ وجهي عنه إلى الجهة الأخرى وتشاغلتُ بالنظر إلى العابرين لأتناسى دمي الصارخ وهيجان قلبي.

بدأت أخاف؟.

يوم تسلل المفكر إلى أحلامي عرفت أنني واقعةٌ في التهلكة. بدأ الجرف ينفتح أمامي وكنت أراه يتسع يومـًا بعد يوم.

كتب لي المفكر يومـًا يتحدث عن الحب، وكنت عمياء البصيرة وبدأت أخاف.

قبل المفكر لم أرَ واحدًا من رجالي العابرين في أحلامي قبل أن يتحول إلى ذكرى منسية. لم يقفز أي منهم من الفراش إلى حلمي. كان عليهم أن يمروا بفترة تخمر في كهوفي السرية قبل أن يأتوا إليّ في أحلامي لينعشوها. كنت بحاجة إلى زمن حليف كي أعيد خلقهم حكايات تؤجج مخيلتي وكلمات تنظم توازني. المفكر تسلل إليّ وأنا معه. جاء إلى الحلم من سرير ساخن. حرق المراحل وجاء إليّ، وصحوتُ.

وبدأت أخاف.

Advertisements