كُس أم الكُس أم ولانهاية اللانهايات / ياسر عبد الله

|كُس أم الكُس أم ولانهاية اللانهايات|

|ياسر عبد الله|

” سلسلة خدش الحياء العام: انتصابات بوجه السلطة”

يدين بورخس لعلبة بسكويت صفيح بسؤاله الأول عن اللانهاية، على أحد جوانب العلبة كان هناك مشهد ياباني تقليدي، وفي ركن من أركان نفس المشهد يظهر المشهد مرة أخرى، وفي ركن من أركان المشهد الداخلي يظهر المشهد وكهذا دواليك، لا شيء يحد التكرار ومن ثم يكون التقسيم المتوالد لانهائي.

مثل بورخس أدين لتجربة طفولية بولعي باللانهاية ، لكن لا علبة بسكويت أو شيكولاتة أو عرائس روسية متداخلة كانت تجربتي، أدين للمرآة ودكان الحلاق، في طفولتي، كطفل وحيد، كنت أمسك المرآة وأتخيل طفلًا آخر عبر المرآة، وفي دكان الحلاق يجلس الزبون بين مرآتين متقابلتين، وهكذا يتم التضاعف المتوالد إلى ما لانهاية.

في مراهقتي قرأت عن معضلة زينون الإيلي، المعروفة باسم أخيل والسلحفاة، التي يمكن صياغتها بصورة مبسطة إن أسرع فارس في أثينا، أخيل، لن يمكنه اللحاق بسلحفاة، فلو كان أخيل يجري أسرع عشر مرات من السلحفاة، وسبقته السلحفاة بقدر مسافة فستقطع السلحفاة عشر المسافة قبل أن يلحق بها أخيل، ولو قطع أخيل العُشر ستقطع السلحفاة عُشر العُشر، وهكذا إلى ما لانهاية، كانت معضلة زينون تمرينًا فلسفيًا مُمكنًا قبل افتراض ديمقريطس إن هناك كميات لا يمكن تقسيمها، سُميت بالذرات فيما بعد، وقبل أن يتم القمع الأخير لمثل تلك المعضلة الزينونية السُفسطائية على يد الفيلسوف الألماني ليبنتس باكتشاف علم التفاضل والتكامل وافتراض إن القيم المتناهية في الصغر لا بُد وأن تؤول إلى العدم.

يتعامل علم التفاضل والتكامل مع مشكلة اللانهاية من جانبين، جانب التقسيم الأبدي، وجانب التضاعف الأبدي، بعبارة أخرى يتعامل مع علبة البسكويت التي تقسم نفسها داخل نفسها ومع مرآتي الحلاق، جنبًا إلى جنب.

مثل علم التفاضل يلخص القول المتداول “كس أم الكس أم” كل الأشياء ويتعامل مع كل الأشياء، إنه يسب كافة الأشياء، لا تلك المعروفة بالضرورة وحدها، بل يسب الجوهر المكون للأشياء ذاتها، كس أم الكس أم يسب أشياء الأشياء، الأشياء المتناهية في الصغر وتلك المتناهية في الكبر، والحاوية للكون كله، بافتراض بسيط إن الكس أم لا بد وأن يكون له كس أم، وهكذا دواليك.

قبل أن يتم اكتشاف اللانهاية تم التعبير عنها بأكبر رقم ممكن أن يصل له عد الإنسان، كالألف عند العرب، أو التعبير عن اللانهاية بذكر الكميات متناهية العدد كرمل البحر أو نجوم السماء، أو في التقليد الشفوي الحديث ذكر الأعضاء التناسلية السرية، الكُس جنبًا إلى جنب مع الزُبر، للتعبير عن الكميات التي يعجز المرء عن إحصائها، مثل الكُسمئة والكُس ألف والزُبرمئة والزُبر ألف، وعلى الرغم أن الزُبر يلعب دور الإشارة إلى الكميات الضخمة إلا إنه لا يعد باللانهائية كما الكس، فالزُبر له مبتدء وخبر، أول وآخر، بداية ونهاية، إنه يمتد مثل الكوب المخروطي لكنه امتداد محدود مهما استطال، أما الكس، بثناياه المطوية إلى الداخل مثل صفحات مجلد الأعمال البشرية كلها، وربما كان الكُس التجلي الأم لمعضلة اللانهاية عند الإنسان، لقد اكتشفه الإنسان مبكرًا واعتقد إن المرأة وحدها قادرة على التناسل قبل أن يكتشف دور الإخصاب، وعَبَد القوى الخالقة لدى المرأة نتيجة لهذا الاكتشاف، وذا الكس، نظريًا وتشريحيًا، له حد أو جدار، لكنه أثناء لذة النيك لا يشعر الإنسان بهذا الحد، فهو يغوص ويغوص دون أن يشعر، لقد وقف الإنسان الأولي أمام ذروات المرأة المتكررة موقف الحائر، فاختلاف آلية الأورگازمات لدى الذكر والأنثى يثير الخيال المتعلق بدوامة اللانهاية، وأتى فعل الولادة ليرسخ الاعتقاد إن هذا الكس منتجًا لغيره ونافذًا على العالم الآخر المكون لروح الأرواح، له بداية لكننا لا نعرف نهايته، نافذًا إلى جوف الجسد، ويمكن الدخول، في المسبات المتداولة، من الكُس والخروج من الفم (تشريحيًا تسمح فتحة الشرج بذلك لكن تلك الحقيقة التشريحية لا تحدث في الخيال الشعبي) فالحمل يحدث في البطن، والمرأة تحوي الجنين داخل الجسد كله في التخيل الأولي قبل اكتشاف الرحم، وربما كان هذا التخيل الأولي أول تكريم للكس، وتكريمًا للكس الوالد لا غيره، من هنا صارت الكس أم سبابًا، فالمكرم لا يُهان ولا يجوز ذكره، إنه ينتمى لذلك العالم الذي لا نعرف عنه شيئًا لكن تصلنا تجلياته.

تتكون المسبة الشائعة من نسبة كس أم إلى مُعرف ما، نحو كس أم فلان أو كس أم كدا أما الكس أم على إطلاق التعريف، فهو مثل أم العالم أو وجود الوجود، مُعّرَف لكنه غير مَعروف، يعد بالمجهول وينبئ عنه، وفكرة الكس أم تعني إن لهذا الكس مبتدئًا دون خبر، كما يفترض إعراب لغة الشتيمة نفسها، يمكن الغوص داخله وتقسيمه إلى ما لانهاية، فلا بد للكس أم من كس أم، ولا بد للكس أم المعرض للجذر الثنائي من كس أم آخر وهكذا دواليك، لكن ماذا عن التضاعف؟! يعد الكس أم بطبيعته المولدة بهذا التضاعف، فلا بد لكل كس أم من أن يلد كس أم آخر، وهكذا تتسع دائرة الكس أم للخارج كما تنطوي للداخل، إنها دائرة كلغز الكون منذ الانفجار العظيم، هل يتسع الكون ودائرته المماثلة لدائرة الكس أم إلى ما لانهاية متناهية في الكبر، أم ينطوي الكون ودائرته المماثلة لدائرة الكس أم إلى ما لانهاية أخرى متناهية في الصغر.

ينتمي نسب الكس أم إلى نفسه إلى تقليد لغوي قديم، ففي اللغات التي تخلو من أفعل التفضيل، كان يتم التفضيل بنسبة الشيء إلى الشيء مثل ملك الملوك ونشيد الأناشيد، فالكس أم المنسوب إلى الكس أم، هو كس الأكساس وسؤال الأسئلة، أو هو المُولد لجميع المولدات، هكذا تسطع العبارة فجأة فتقتل أي حوار ممكن، كس أم الكس أم، عبارة تُدخل المرء في تيه اللانهايات، في دوامة التأمل الطفولي لعلبة البسكويت التي تكرر نفسها، ومرآتي الحلاق اللتين لا يكفان عن التضاعف، يتأمل المرء العبارة بلمح البصر فيشعر بتلك الرهبة، رهبة التكرار اللانهائي، رهبة المتناهي في الكبر وغموض المتناهي في الصغر، لذلك تصبح كس أم الكس أم، ولأنها تطعن في لانهاية اللانهايات، شتيمة الشتائم ومسبة المسبات.

Advertisements