“دمشق: معضلة الوجود الهشّ.” عمّار المأمون

عمّار المأمون

الصورة من فيلم للمخرج الإيطالي” بيير بابلو بازوليني” بعنوان” salo “

دمشق: معضلة الوجود الهش

هنا في هذه المدينة أنت دائماً على وشك الانهيار، كل ما حولك يشكل هاوية قد تؤدي إلى سقوطك، مسجد، نهد، رصيف للتبول، كل تفصيل في هذه المدينة محمّل بأطنان من الكراهية التي تبثّ نَحوك كي تًرحل، وإن أبيت إلا البقاء، فالمدينة تستخرج عدتها لتشريحك، تستغلّ مناطق ضعفك وتستخرج منها السائل الأمنيوسي لتطعمه لحجارتها التي سيموت عليها الأطفال، ثم تُواجَه بالملامة بسبب عجزك، كيف يمكن لانتصابك أن يقف بوجه ترسانات الحديد و الاسمنت و آيات الله، كيف يمكن لكلماتك المبهرجة أن تعيد  بعث الأطفال إلى تحيّة العلم. دمشق تفرض على وجودك الهشاشة، سقوطك محتّم لا محالة، أنت ككائن زجاجي تنتظر البشارة من قرد يمارس الاستمناء سراً أمام الشاشات و أفخاذ المارّة.

في هذه المدينة نحن كائنات تجريبية، مشاريع لفئران تخضع لتجارب الجميع، فلنقتلهم، فلنخصهم، فلنجعل جملاً يضاجع حسناءً و ينجبا مسخاً يتبول في مياههم، ثم فليشربوها، حينها فلنر ما سيكون لون دموعهم.

 دمشق تثبت عجزنا أمام كل شيء، حتى عجزنا عن الكتابة، نصوصنا مؤقتة، قابلة للزوال، هي رَفَث* كلام ينقضي بانقضاء السوائل المفترض، كل ما نكتبه سينهار، كل كلماتنا بغايا مشاع للجميع، نحن قوّادو النصوص المزيّنة، خذوا بها من يدها أو من شعرها ، اسحبوها في الشوارع امسحوا بها أرصفة دمشق و حاناتها وجدران تلك الخمّارات التي حفظت أحاديث كل العاهرات اللاتي ضاجعها السفلة، لو كانت جدران الخمّارات تتكلم لقالت على أنغام العرق المقطّر سبعاً : (لها هنّ مستهدف الأركان… أقمر تطليه بزعفران… كأن فيه فلق الرمان)**.

أعينوا النهب على النهب، القول على القول، نهايات السجع على مطالع الأنين، كونوا موتى لا لأكرهكم، بل لتخففوا وطء المدينة على صدري، فلجسدي مآرب أخرى، دعوني لزواياي، دعوني أكتفي بجسد واحد، نهد واحد، يد واحدة، شفة واحدة، و بضع من رقبة معطّرة بنبيذ حمّى الشبق، اغتالوا فيَّ كل مكامن الوجود، و دعوا هشاشتي تطفواً عالياً، دعوا سقوطي بطيئاً، رقيقاً كسقوط الحَجل أمام رصاص صياد معتوه، دعوني أسقط على هواي، حين أتعب من مصارعة الهباء والتماثيل النحاسية، دعوني أسقط بعد أن ينهي القرد استمنائه، و الشيخ قطع رؤوس كفرته، و الزاني من معصيته، دعوني أسقط كالنبي عائداً من سدرة المنتهى.

*رفث: الكلام عند النكاح – لسان العرب.

** الشاعر العماني- باب (هنّ) لسان العرب.

Advertisements