تشريح حلم -السِفر صفر إيهاب عمر

|إيهاب عمر|

|اللوحة للفنان الإسباني سلفادور دالي|

السفر صفر

على مهلٍ رتبتُ يوميَّ، وضعتُ أوراقي في الثلاجة، استخدمت قهوتي لتلميع حذائي ومضيت على غير هدىً.

في السوق احتضنتني امرأة لم أعرفها …قالت لي : أهذا أنت؟ ألم أغسلك بالثلج يوماً كي لا أراك … بكت قليلاً بعفوية الأفلام والسينما، احتضنت طفلين بل ثلاث ومضت … تطايرت دموعها عبر المكان صارت فراشاتٍ ملونةً وبدأتُ هستيريا عطاسٍ ما إن استعدت ذاكرتي…

تذكرت أنني مصاب بالحساسية… ومضيت إلى الضفة الأخرى، هناك تجمع جند عجائز ممن فاتتهم الثورة الفرنسية وصرخوا بي: “من أنت يا رجل البلاط؟! مارق من طغمة النبلاء؟!… اقتلوه” سيق رأسي وجسدي إلى المقصلة.. هربتُ سريعاً سابقت المكان …تبعتني المدينة كلها … وركضت ركضت … بلغت برلين جرياً … لم تكن برلين كانت بقايا الحلفاء تغطيها وهتلر لم يمت بعد … زحفتُ وزحفتُ فأحاطتني دمشق …

لدمشقَ مآثر في الحصار … تَدْخُلكَ على مهل وتُنشبُ جذورها فيكَ خفاءً فتمعن في استلاب الذاكرة … كم كنت أنا أنا حينها ولكن الوجوه تغيرت ولم أعهدها بعد … لعل الأسطول البرتغالي حطَّ بها ذات صبحٍ كما كان حالي سوى أني جريت ولم أبحر يوماً…

تطايرَ الإسفلت وعلا الدخانُ فصرخت … أحاطتني وجوهٌ أخرى مستلةً سكينَ السؤال “أيريدون قتلي أم بيع رأسي لنخّاس؟”… غريبٌ آخر يدخلُ مخدع التجار هو واحد من ثلاثة وجوه … إما شارٍ أو بائعٌ أو سلعة … خِفتُ فتطايرتُ كالبرق، أجري ليعودوا لمطارتي …تبدلت الأماكن اجتمعت العواصم كلها بدمارها وتناثرت من حولي … لا شيء لا شيء سوى ركام …عدوتُ حتى اخضرار وجهي… نظرت خلفي لم يكونوا صرت وحدي. ……

وسط أشلاء المدينة انتصب دكان تحفٍ يبيع أعضاءً بشريةً كتذكار حرب … في الواجهة رأس طفل رسمَ بملامحه دهشةً فاقت دهشتي… …

في نهاية الطريق كانت هناك واقفة في انتظاري … لم أعرفها من قبل ولكنها كانت تنتظرني … أو لعلها تعثرت بي فصرت مخلصها وفارسها حسب روايةٍ قرأتها أو قصةٍ حاكتها إحدى النساء .. أعطتني مفتاحا وقبلتني، قالت: أتذكر كم قلت لي يوماً…؟ قلت أذكر … ومضيت يتيماً …آه كم عَلّمْتِني حبَّ الأزقة. …

غفوت قرب ما قد كان جداراً يوماً … سمعت صفيراً يقترب …يقترب لتدوي الموسيقى وأغرق في الأبيض … حملتني غمامة وجالت بي عبر الشوارع والأمكنة المتبدلة والأشخاص … أحاطتني فراشات ملونة… استحالت دموعاً ومطراً غسلني كثلج الشتاء فعُدتُ طفلاً أبحث عن مخبأ كمعطف أمي … خلعت حذائي الملمع جيداً … سحبت كرسياً كي لا أفتح الثلاجة وأستعيد أوراقي …

Advertisements