مأساة صغيرة / خالد شاطي

| خالد شاطي |

| اللوحة: عمران يونس- سوريا 2017|

 اعتاد أبي أن يذكّرنا بمناسبة أو بدون مناسبة أن أفضل شيء للمرأة ألاّ ترى

الرجل وألاّ يراها الرجل. ومنذ أن كفّ الأب عن اصطحابنا إلى المزرعة؛ ظللنا- أمي وأختيّ وأنا- قابعات في البيت على الدوام. الخروج إلى باحة البيت يحمل فرصة لأن لا يحدث أفضل شيء للمرأة، فيمكن حينها أن يحدث المحظور من أسطح البيوت المواجهة لبيتنا أو من البيتين الملاصقين له. لذا كان الأب هو من يضطلع بالتسوق؛ ينظف الباحة صباح كل يوم ويعتني بالحديقة الصغيرة؛ ينشر الغسيل أو يعيده، يجلب الوقود وأدوات التنظيف إلى الداخل. وحتى لا تخرج احدانا للباحة في طريقها لفتح باب البيت؛ يحمل أبي وعماد وعمتي نسخة من مفتاح الباب المغلقة على الدوام. كل من يطرق الباب لن يفتح له؛ هو شخص غير مرغوب فيه. عمتي تزونا مرة في الإسبوع واحياناً مرتين. تكبر الأب ببضع سنوات وهو يوليها ثقة مطلقة. عمتي الوحيدة هذه هي من يرعى شؤوننا ويوفر احتياجاتنا الخاصة. نحمد الله دائماً أنها لم تنجب ذكوراً. زيارات نساء الجيران والمعارف والأقارب لنا تحمل في نظره فرصاً للإفساد لا تقلّ خطورة عن الخروج للشارع أو لباحة البيت. كثيراً ما كان الأب يفتعل شجاراً في الشارع مع أحد الشبّان الغرباء ممن صدف مروره في الشارع أو بدرت منه نظرة إلى بيتنا لأنه يظن أنه جاء ليتلصص على بناته. الجلوس في غرفة الضيوف والتطلع إلى الباحة من بين ستارة الشبّاكين متعتنا ونافذتنا الوحيدة على العالم. قبل أن يسمح لنا بها، اختبر بنفسه الجلوس على الأريكة والتطلع كأي واحدة منا إلى الباحة والحديقة الصغيرة.

وحين أراد أخي عماد، بعد إكماله الثانوية،اصطحابنا لزيارة أقارب لنا؛ عنّفه الأب بقسوة ونعته بالديوث ليضاف لقب آخر إلى لقبه السابق ( المائع )كونه مغرم بالموضة ويهتم بآخر صراعاتها.

لكم أن تتخيلوا مقدار الارتياح الذي انتاب الأب حين أكملت خديجة الابتدائية؛ وهي أعلى مرحلة تعليمية سمح لنا بها نحن البنات. فقد تخلّص من القلق عليها طالما هي ليست في البيت ومن مشقة ايصالها إلى المدرسة وارجاعها منها بنفسه. راحت المسكينة تبكي لانضمامها إلى القفص الآمن كما بكيتُ أنا قبل ستِ سنوات وكما بكت أختي الكبرى فاطمة قبلي بسنتين.

ومنذ تركنا المدرسة لم نخرج من البيت إلاّ مرة واحدة، فقد وجد الأب نفسه عند موت عمتي إزاء مصيبة أخرى: مصيبة اصطحابنا إلى بيت عمتي لتقديم واجب العزاء إلى بناتها دون أن يحصل ما يعكّر صورة المرأة المثلى في نظره. لا زلت أذكر شحوبه وتوتره تلك الليلة وهو يطفئ أنوار الباحة ويُلبسنا الملابس الثخينة الفضفاضة والجواريب والقفازات السوداء ولا يترك لنا إلا فتحتين صغيرتين للرؤية. شعرنا بمعاناته. أشفقنا عليه حتى أننا أطعناه وساعدناه ليتم الأمر كما يشتهي. بدا الأمر كما لو كان تهريباً لبضاعة محرّمة أو نقلاً لجثة جريمة. وحين عدنا إلى البيت لم نشعر أننا غادرناه.

ورغم إنّ عماداً لم يكن معنا في القفص إلا أن حاله لم تكن أفضل من حالنا نحن

النساء، فمن النادر أن يمرّ يوم دون أن يتلقى تعنيفاً أو لفتاَ للانتباه من الأب: بسبب

تأخره قليلاَ عن موعد عودته للبيت؛ بسبب قصة شعره؛ بسبب قميص أو بنطال أو

حذاء ارتداه؛ بسبب علامة أقل من المتوقع في امتحان ما؛ بسبب ضحكة أو كلمة أو إشارة أتاها في الشارع؛ بسبب هذا الشيء أو ذاك من الأسباب التي لا تتفق والتربية الرجولية الخشنة الحقّة في نظر الأب. كان قد حدّد له بدقة كيف يتكلم ويضحك ويمشي. مَن يصاحب وأين يذهب وماذا يلبس. كنتُ أشعر أنه يتمنى لو كان عماد بنتاً أخرى ليضعها في القفص ويستريح. (انظر إلى أخواتك) يقول له. ( لمَ لستَ مطيعاً مثلهن؟)

وإن كان لمثل هذه الإجراءات أن تبعد الخطّاب عنّا فقد حدث العكس، إذ ما كان يمرّ شهر دون أن تطلب إحدى النساء لقاء أمي لخطبة إحدانا، ويأتي الأب المدقق في التفاصيل ليرفض بكل سهولة وحزم، غالقاً إحدى بابي الخلاص من السجن: الزواج، وموسعاً فتحة الباب الأخرى: الموت.

××××××××××××

لم يحدث أن فارقنا عماد ليلة واحدة؛ مع هذا غمرنا الفرح حين قُبِل في كلية الطب

في الموصل. سيقيم في القسم الداخلي؛ هناك على بعد خمسمئة كيلو متر عن سطوة

الأب. لم يساورني الشك في إنّ عماداً تعمد هذا النفي الاختياري. وافق الأب على الحجج والمزايا التي ساقها عماد له وإن لم يبدِ لي أنه اقتنع بها تماماً. ومن بين كل

عشر دمعات ذرفناها لحظة غادرنا؛ كانت سبع منها دمعات فرح. فقد كنا نشعر أننا

نحن- على نحو من الأنحاء- من يفرد جناحيه ويحلق بعيداً.

وكما توقعت؛ لم يأت عماد إلى البيت في بعض الإجازات والعطل الرسمية متذرعاً بالمذاكرة، ولم نلمه. وبعد مناشدات باكية؛ سمح لنا الأب بحيازة هاتف نقال بشروط محددة للتواصل مع عماد وبعض الأقارب. صار الأب يمشي في الشارع مرفوع الرأس؛ فخوراً بمناداة الناس له بأبي عماد، وذكر لنا أنه يود سماع لقب (دكتور) كلما ذكر أحدهم اسم ولده. واستتبع ذلك تغيير في معاملة الأب له، فلم يعد يعنفه أو ينبزهُ بلقب، وصار يحادثه كرجل ويستشيره في بعض الأمور. في بعض المرات التي كانا فيها يدخلان البيت سوية؛ كنت أحدس أنهما تشاجرا في الخارج، ربما بسبب مظهر عماد أو بسبب محاولات الأخير تخفيف حصار الأب عنا.

وذات يوم، وأنا أصعد السلم حاملة الشاي لعماد؛ سمعت الأب يوبخه في غرفته:

ما هذا الخط الخالي من الشعر فوق أذنك ؟! هل كان لأبيك وجدك مثله ؟! وما هذا الوجه الأمرد الذي كوجهِ عروس؟! وهذا السروال الضيق، علام هو؟! أتريد إخبار العالم أن لديك قضيباً طويلاً ؟! أنسيت إنّ معك أخوات في هذا المنزل؟! وتخيلت عماد واقفاً، يحدق في الأرضية أو ينقل بصره في زوايا الغرفة؛ محاولاً السيطرة على أعصابه وإخفاء انزعاجه. وبصوت مخنوق راح يحتج بأنها الموضة السائدة هذه الأيام؛ إنها حق من حقوقه كشاب؛ أنها لا شيء سوى مظاهر شكلية لا تمس الجوهر. وأنهى الأب النقاش بالقول أنه لن يسمح بذلك بعد الآن.

وهكذا صار عماد يمر بصالون صديقه الحلاق عندما يغادرنا إلى الجامعة أو عند عودته منها إلى البيت ليعمل أو يرتدي ما يناسب ذوقه أو ذوق الأب، وكان يُبقي عند الحلاق الملابس التي لا يرتديها عندما يكون في الجامعة أو البيت.

وفي كل مرة يأتي فيها عماد إلى البيت أراه ازداد وسامة ونضجاً، أفكر في أن من غير الممكن لأي فتاة ألّا تغرم به. أسرّ إلي عماد أنه يهوى فتاة معه في الكلية وأنهما يعتزمان الزواج بعد التخرج. أراني صورتها؛ ومرتان أو ثلاث تكلمت معها

عبر الهاتف. وقبيل انتهاء السنة الدراسية الأخيرة لعماد؛ جمعنا الأب في الصالة وأخبرنا أنه خطب إحدى بنات عمتي لعماد. حاولت أمي وأختاي وأنا- لعلمنا بعلاقة عماد بزميلته – إقناع الأب بفسخ هذه الخطبة. قلنا له أن أي شيء يمكن أن يتم بالقسر إلا الزواج فأبى وثار: أتردن أن أبدو مغفلاً أمام الناس؟! وفي النهاية رجته أمي ألّا يفاتح عماداً بهذا الأمر إلا بعد تخرجه لئلا يسبب له هذا الأمر الاضطراب والتشتت، فوافق على مضض. ولا أدري إن كان هذا الأمر أو خبر الزواج السري للأب الذي تناهى إلينا؛ هو الذي انهك أمي بعد أيام وجعلها طريحة الفراش.

وفى الأب بوعده، انتظر حتى أنهى عماد دراسته وعاد إلى البيت ليفاتحه بأمر زواجه من ابنة عمتي. كنا نسمع نقاشاتهما وشجاراتهما في غرفة عماد. كان الاثنان مصرين على رأيهما. أسهم هذا الأمر مع تردي صحة أمي وزواج الأب في تعكير مزاج عماد، فلم يعد يجالسنا كثيراً؛ وإذا حصل فللاطمئنان على صحة أمي. افتقدنا أحاديثه ومرحه. اقتصر خروجه من البيت على تلبية احتياجاتنا وكان يقضي جل وقته في غرفته في الطابق الثاني مضطجعا في سريره في صمت مطبق.

××××××××××

الأب في مزرعته أو في أحضان زوجته الجديدة.

أمي غاطسة في نومها، المجتلب بالأدوية، بين فاطمة وخديجة.

أنا مضطجعة على أريكة في الصالة؛ أطالع كتاباً.

البيت هادىء هذه الظهيرة الساخنة.

تلتقط أذناي صوتاً خافتاً منبعثاً من الحمام حيث يستحم عماد. أضع الكتاب جانباً وأقترب بحذر. يتبين لي أنه صوت تأوه ولهاث متتابع. يا للمسكين، أقول في نفسي، يا للمسكين. إنه يبكي، يُطلق دموعه وآلامه في الحمام. ألحظ أن باب الحمام ليس مغلقاً تماماً؛ أن ثمة فتحة بمقدار إصبع تتيح رؤية الداخل. أعود إلى كتابي وقبل أن أصل إليه يعيدني الفضول ثانية إلى الحمام. أنظر بحذر إلى الداخل. عماد العاري تماماً مغمض عينيه وعنقه مشرئبة إلى الأعلى فيما يده تدعك ببطء قضيبه الزهري المنتصب. يرتعش جسدي وتتسارع ضربات قلبي بالتوازي مع إيقاع لهاث عماد. أنظر حولي. لا أحد. تنتصر رغبتي في البقاء مرة أخرى على رغبة العودة. أواصل النظر حتى ينبثق السائل الأبيض اللزج ويتباطأ لهاث عماد ويتحول إلى تنهيدات تعب. أنسحب إلى غرفة أمي وأندس بين أمي وخديجة دون أن يفارقني المشهد الغريب وارتعاش جسدي لحظة واحدة. تسيل الدموع من عيني وتبلل وسادتي…..

ظهيرة وهدوء أخريين.

أصعد الدرج إلى غرفة عماد حاملة له كوب الشاي. أعود إلى الصالة وأتظاهر بالقراءة. أتطلع إلى الساعة الجدارية كل بضع دقائق. حين تمر نصف ساعة؛ وهي مدة أكثر من كافية لبدء مفعول المنوم، ألقي نظرة على غرفة أمي وأتأكد من أنهن نائمات ثم أرتقي الدرج ثانية إلى غرفة عماد. هو معتاد على أخذ قيلولة، لذا لن يشك في أنني ذوبت بضع أقراص منومة من التي تتعاطاه أمي في كوب الشاي. أجده غافياً على أريكته. أناديه، أهزه، أصفعه. لا شيء سوى تنفسه الرتيب. أجثو على ركبتي متطلعة إلى وجهه الجميل. أداعب خصلات شعره. أقبل جفنيه ووجنتيه وشفتيه. أمدّ يدي إلى بجامته وأسحبها حتى ركبتيه. بالحذر نفسه؛ أسحب سرواله الداخلي. أنظر إليه لثوان. أمسده بأصابعي. بعد مداعبات ولعق بطيء ينتصب. هو طويل كما قال أبي ومذاقه مُسكِر؛ يغيّب العقل. تنتابني حالة هستيرية لا أعرف فيها من أنا ولا لماذا أفعل ما أفعل ؟. لا يبدو أنني أستمتع ولكنني لا أستطيع التوقف. أغادر الغرفة أخيراً وأدخل الحمام. لا أتعرف على صاحبة الوجه التي تنظر إلي في المرآة. أقول لها:

– أيتها الساقطة المختلة الدعية…. عار عليكِ.

أظل ساكنة تحت ماء الدش؛ لا أفكر في شيء.

بعد يومين أذوّب أقراص منومة أخرى في شاي عماد وأعيد الكرة بعد يومين أخريين. وأنا أنزل الدرج يجتاحني احتقار وكره لنفسي. وفيما يبدو أنه صحوة فجائية؛ أقرر أن أتوقف نهائياً وأقسم على ذلك. لكنني بعد يومين أعيد الكرة مرة أخرى ثم أخرى فأخرى.

يجلب عماد أشرطة أقراص منومة أخرى، ظاناً – ومعه أمي وأختاي- أن ما كان متوفراً ضاع. يحدد الأب نهاية الشهر القادم موعدأً لزواج عماد من ابنة عمتي. لا يعترض عماد ولا يناقش، فيما يبدو أنه رضى منه واستسلام؛ وأن بدا أكثر كآبة وصمتاً. يخامرني إحساس في الأيام التالية أن عماداً يتجنب مخاطبتي أو النظر في عيني. يشبه الأمر حالي معه أو مع فاطمة عندما نتخاصم أيام كنا صغاراً. هل عرف بأمري؟ لا لا ، الأقراص المنومة لا زالت في مكانها. كيف له أن يعرف؟ مرة أخرى أصعد بشاي منوم إلى غرفة عماد. وحين أريد استعمالها في اليوم التالي لا أجدها. أبحث هنا وهناك بلا جدوى. أدخل غرفته فلا ينظر إليّ. يشير إلى المنضدة. أضع عليها كوب الشاي وأخرج.

×××××××××

أثناء الإفطار أعلن عماد نيته السفر إلى الموصل بعد الظهر. سأله الأب عما سوف يفعله هناك.

– لا شيء، قال عماد، وأضاف أنه وبعض زملاء الدراسة اتفقوا أن يلتقوا هناك.

– لا، قال الأب، لا ضرورة لذلك. وخرج من البيت.

لم يقل عماد كلمة.

بعد الغداء طلب عماد من فاطمة ومني تهيئة حقيبة سفره الصغيرة.

– ستغضب أباك. قالت أمي من فراشها.

– لا يا أمي. لن يغضب هذه المرة.

رد عليها وصعد إلى غرفته. عاد بعد قليل مرتدياً ملابسه وراح يتجول في البيت قليلاً ثم دخل غرفة أمي. قبّل يديها وخديها ثم عانق خديجة وقبلها. قبل فاطمة في جبينها وقبلني في جبيني. نظر في عيني للمرة الأولى منذ أسابيع وربّت على كتفي كأنه يهدأني وقال قبل أن يخرج:

– سلموا لي على أبويه.

××××××××××

كانت خديجة هي من رأته أولاً، صراخها المنبعث من غرفة الضيوف جعلني أندفع بسرعة نحوها وخلفي جاءت فاطمة. كانت ستارة الشباك مزاحة من وسطها إلى الجانبين وخديجة تخربش بأظافرها زجاج الشباك وتصرخ. عبره رأيت عماداً المنقع يضغط على القداحة لإشعالها وبين قدميه صفيحة النفط فارغة. جاءت أمي مستندة على الحائط. في اللحظة نفسها انعكس اللهب على زجاج الشباك وجدران الغرفة. أخذنا نصرخ: أمي وفاطمة وخديجة وأنا. أغمي على أمي وهرعت فاطمة باتجاه الباب المؤدية إلى الباحة. مدّت يدها نحو المزلاج وسحبتها عدة مرات كما لو كانت هي النار. رأيت عماداً المشتعل يصطدم بشجرة الرمان ويسقط ثم ينهض ليصطدم بها ثانية. ركضتُ نحو الباب وبدون وعي رحت أقرعها بقبضتي بدل أن أفتحها. وكنا نصرخ ونصرخ ونصرخ. ولابد أن صراخنا أو لعله اللهب أو الرائحة هو من جذب الشاب الذي قفز من سياج البيت وأطفأ عماداً. كنت أصرخ وأصرخ ولما نظرت وجدت أبي ممسكاً بيديّ ويأمرني أن أقول ما الذي حدث ؟. ولما نظرت وجدت نفسي مضطجعة في الفراش  وحولي أمي وأختاي ونسوة أخريات لا أعرفهن ينحبن بصمت. سمعت أن أبي صار يخرج ويطرق أبواب بيوت أصدقاء عماد الذين كان يصرفهم عندما كانوا يأتون لزيارته؛ ويقول لهم: عماد في البيت ينتظركم؛ وهو يسأل لم لا تزورونه ؟! سمعت أيضا أن الشاب الذي حاول انقاذ عماد سأل عماداً:

– ليش يا خيي ليش؟!

وأن عماداً أجابه بآخر كلماته:

– هذا أحسن. هذا أحسن.

هل كان حقاً أحسن….؟!!

Advertisements