أوقاتي التي تَسرمدت/ عمر محمود سالم

|أوقاتي التي تسرمدتْ|

|عمر  محمود سا لم|

 

في دهاليز ذاتي بحثتُ عن نصيبي من العدم مُعلباً. الليلة هذه، الخاصة بي، صعدتُ فيها الجبل حافياً، وعلى نحوٍ غاية في السرعة. كأنَّ مغناطيسيّة القمة العليا تجتذبني بشدّة من السفح الجبليّ السُفليّ النائمِ بحميميّة على سطح الأرض، منذُ كان وخرجَ منها، في شبهٍ غريب بطفلٍ خرجَ إلى الحياة توّاً، فلازم حضن أمه مرتاعاً كمن فقد الثقة، حتى المطاف الأخير بالعالم المحيط به. بعد خطوتيْن.. خطواتٍ عدة، قفزةٌ عمياء تستندُ إلى تفاؤليّة شكوكيّة بالنجاة. ذلك القطّ الناريِّ العينيْن لَحُظَ تشغيلَ نداءات تعالي قويّة في أعصابي. صعودٌ تسلقيّ قِرديّ لا تخفى فجائعيّته المصيرية منذ النظرة الأولى: هاهي أخيراً القمة المُوزعةِ التعبَ، على الثواني اليتيمة، بالأرق والإبرة، المنحدرانِ تلازماً من طائفة القلق العريقة. 

ليلتي..هذه الليلة، حيث “احتمال الوضوح” جانبيّ، في معركةٍ فيها “الوضوح غير مباحٍ” البتة. 

اختفاء الـ “كان” في “الآن”

وكنتَ تسمع “خدني معك” لكارول سماحة وحيداً ذلك المساء؛ في خيالك ضجرٌ العُزّاب المُسن، وفي أصابعكَ رجفة الكتابة البِكرْ. رجفةُ أن تلمسَ قلماً، وتُقرّبَ منك ورقةً لم يُفقأ بصرُ بياضها بعد. لكن “الحبر ليس أعمى” قادَك إلى مكانك الملتبسِ على نفسه حيرةً لا شرعيّة. مكانٌ أثاثه ركام ألبسة داخليّة ميتافيزيقية الرائحة. هناكَ على شمالك فرشاةُ أسنانٍ خضراء مبلولة دماً، وعلى يمينكَ واصلةُ كهرباءٍ عديدة الثقوبِ الموطوءة في سكونٍ أبله بأعقاب “سيجار” مغرور الجودة. وفي الباب مرآةٌ للخارج، عن الدّاخل. أشياءٌ تشترى لئــ”لا تُشترى” مرةً أخرى.

وكنتَ حينذاك تتذكر تلك الليلة البعيدة التي كنتُ فيها تسمع الحياةَ سيموفونية صُفريّة لتفكِّر في طريقةٍ تجد بها تفسيراً لتلك النظرة القرويّة التي أربكتَك بكُلّكَ ذات صباح، وأنت على مشارف امتحانٍ في سؤال الوجود عند هايدغر. ثم ذهبتْ في السرعة بسرعةٍ، دون أن تعرفَ مصدرها السحريّ، لتترككَ لهايدغر من بعدُ يأتي على ما تبقّى منكَ وجوداً هشّاً. أهذا عدلٌ؟ كنتُ تسأل؛ وبـ “لا، واللّه” كنتُ تجيبَ ثقةً بالخطأ، في عبثٍ عدميّ ما خضعَ لقمعٍ وجوديّ قط. والآن أنت تريدَ أن تكون “الأحوال هادئة تماما مثلما كانت” ناسياً أن قلق وجودك المُربك ذاك، لم يتسبّب به هايدغر في أسئلة الامتحان تلك العويصة عنه، بقدر ماتسبّبت به نظرة الفتاة تلك البليغة التجليّ- مُعيدةً نموذج عبّاس بن الأحنف فيك.

مرةً واحدة لاتكفي.. إلاّ مراتٍ ثلاث

لمرةٍ واحدة في الحياة، ستكفيني قُبلةٌ منكَ، شرطَ أن لا تنقصَ مُدّتها عن ساعةٍ تامّة.

ساعة للوصلِ، موّزعاً، على دُفعاتٍ عُجلى.

ساعةٌ للجرحِ، مُقسمّاً، على وخزاتٍ موجعة.

ساعةٌ للغرقِ، مُشتتاً، على غطساتٍ تحت موجة أمل قلقة الزرقة . 

/

ثلاث ساعاتٍ لتجريب مقاماتٍ عُليا تقتُلَ تسفيلاً. المأمول البعيد. 

تلكَ الثلاثة، هي مُهمّاتُ القُبلةِ تلكَ، المُكلّفةِ بها طوعاً. التكليف الذي ما كان إلاّ كرهاً. 

في الأوّلِ، أصِلُ نهاياتي ببداياتِكِ، ذكرياتٍ خُلق لها طعم وخزها وقت ذوقه.

في الثانيّة، أقطعُ بداياتي عن نهاياتك، حسراتٍ لن تُروى على كأسٍ نبيذيّ أبداً.

في الثالثة، أُجمعنا، في موجةٍ عالية الهمّة في السّفر نحو الشاطئ، لننكسر زبداً خفيفاً.

لسان

..وأما بنعمة لسانك فحدّث. لسانك، هو القضيب الأعلى، في جسمك. قضيبٌ ماهِرٌ قيّافٌ في عبوره على منعرجاتِ الشهوةِ نيئةً؛ فاكهةِ اللّذةِ هضاباً رخوة . لسانٌ: دخّالٌ، هتّاكٌ، ذوّاقٌ، مُشْعِرٌ بالوجودِ ايحاءً ناقصاً لن يُتمّم نقصانه. وجودٌ ناقِص لا يكتملُ إلاّ عدماً. لسانٌ واحِدٌ، تلك صفاته، أفضلُ من عشراتِ النسّخ القضيبة، العنينة، الحرونة. لسانٌ مُنقبٌ. لسانٌ قلمٌ. ريقٌ حبرٌ. الدواة الواسعة.

اللّسانُ تلك صفاته، مُبصِرٌ يماميٌّ؛ رسولٌ مبلغ لا ربَّ له. مُهمّته هي حقيقةً وبالحصر التفقيطيِّ: قيّاسُ المسافة تبليغاً قبلَ الوصولِ. ليسَ بالعيْنِ هذه المرّة، ولكن باللّحسِ الشّهاق، اللّعق الرّطب. أيْ الذّوق بصيغة الريق أو الريق بصيغة الذوق. في النهاية: قافٌ مُذنبة المقام يُستعاذ ل من سوء ختامها. لسانٌ نارٌ. لسانٌ جنةٌ. لسانٌ برزخٌ. لن تقوم ساعة الآخرة، إلاّ لترجعَ، دُنيا أبديّة .

وحدهم الذوّاقون بألسنتهم، يعرفونَ سرّ بديهيّة اقترانِ الذّوق باللّسان. فاكهةٌ مقطوفة. قيل تفاحةً وقيل برتقالة قد اختلطا انفصالاً عن ذائفة بغلة نادرة النوع والوجود. برهانُ عسَلٍ. محيي الدين ابن عربيّ، كان سبّاقاً في التأكيدِ على ذلك، وإنْ بصيغةٍ مُختلفة قليلاً. “ما أحسنهم” هم الذوّاقون بألسنتهم عشقاً “حُسِمَ أمره” شمال أنهار الريق أو غربها حيث “في المخاطرة جزء من النجاة” يقتات الوجود عليه.

صورة “سيلفي” مع نرسيس

لاشيء من كل ذلك حدث، يانرسيس. كُلُّ الوجود أعلن الاعتراف بجمالك. هناك حملةٌ وجوديّة عامة لإظهار ذلك الجمال الفاتن. اللّه أصدر أمراً عاماً من مكانه الأعلى في العرش – الذي يدير بواسطته الوجود العام – نُقلَ إلى جميع قنوات تمثيله في الطبيعة بذلك. كل شيْءٍ الآنَ انعكاس لجمالكَ، كل شيء انعكاس لك. لقد رأيتَ نفسك في نفسك. الوجود مرآتُكَ. اطمئنْ يانرسيسي.

قبّح الحطئية نفسه في “المرآة” لأنه أعادك في خياله، صورةً مشوّهة. لقد أحياكَ في مرآته، وقتل نفسه في بحيرتك. آهٍ، يانرسيسْ. أيُّ تهوّرٍ ذلك الذي أصابَ عيناك الشغوفتان بنفسهما هويّةً؟ أفـ”كل شيء أنت قادر على تحقيقه هو شيء لتخسره”؟ كان ينبغي أن تعرف أنّ جمالك بداهة مُحيّرة. اسأل من شئتَ، ماشئتَ. الآن ارجع قليلاً عن هذه البحيرة المشؤومة فـ”الفرق كيف تبدو وكيف أنت ترى نفسك كافٍ ليقتل معظم الناس”. فارحم الناس، ارحم نفسَك. اجفل بعيداً عن هذه البحيرة. احذر جمالكَ مجازَ الوجود. لقد أتلفتَ نفسك في سبيلِ نفسك، شهادةً لا يُحتفى بها على رموش الأعين وتخوم الشفاه في حضرة تجمّعٍ مرآويّ أمين في نقله صورتك عنك إليك مُخيّلة. ابتسامة لا تدلُّ على تعبٍ لن يستريح.

Advertisements