نصف الساعة التي مضت

| راجي بطحيش |

1

00:30

أجلس على مقعد في جادة “يهوديت” حيث كانت تسكن نتاشا التي أطلقت على نفسها أسم ” نيتاع” عندما صعدت من موسكو الى أرض الحليب والعسل والمخلفات العضوية الأخرى في بداية التسعينيات من القرن الماضي ومعنى “نيتاع ” هو الشتلة وهو اسم يوحي لسامعه ان حاملته متجذرة في مكانها منذ دهور ..حتى قبل ولادتها بمعنى انها ملح هذه الأرض وهذا أبعد ما يمكن قوله عن نتاشا هذه  التي تتصرف غير ما تقول وتلعن الساعة التي جاءت فيها الى البلاد كل نصف ساعة …بينما تراها في الغداة في احقر مظاهرات اليمين المتطرف وأشدها فاشية …ولا تفهم لماذا؟ نصف ساعة إذا …وأنا أيضا لا أفهم كيف أفكر في نتاشا هذه وأنا مقدم على تلقي نتائج الفحص الطبي الموعود ..ذاك الذي قد يقلب كياني…ويكرس الخوف الذي لازمني ويلازمني أنىّ حللت..وفي الأحلام ..أيضاً…أساساً

00:25

إذا من هنا كانت تشتري نتاشا الملقبة ذاتيا وتطوعا ب “نيتاع”  بقالتها ، من هذه الشبكة التي لا تقفل والتي تنتشر في أرجاء المدينة كالنار في الهشيم ومن هنا كانت تقود ضحاياها من الشبان العرب الشبقين والتائهين في المدينة الماكرة لتضاجعهم وتقتلهم ثم تلقي بهم في المرحاض وتنزل الماء بأقصى قوة..ومن هنا كانت تمضي في طريقها الى مظاهرتها القذرة والتي كان آخرها أمام السفارة التركية في شارع اليركون البحري…ومن هنا كانت تعود من سهراتها الماجنة بصحبة النازيين الجدد القادمين من دول البلطيق السوفيتية سابقا ..لا لشيء الا لمنح  كراهيتهم زخما أكبر في حقل يشجع فنون الكراهية وينميها ..لا أريد ان اتخيل حتى كيف تبدو مثل هذه الحفلات ، مخدرات ، حشيش، انهار من الفودكا..عنف، دم ..نياكة في كل ثقب ومكان..قيء ..رؤوس  مقطوعة لشبان عرب  مرفوعة على سيوف …أنظر على عقارب الساعة..وكأنها لا تقول شيئا ..هنالك حاجز غرائبي بيني وبين ما أنتظر ..أين دقات قلبي؟؟

00:20

أخرج قليلا من خدعة نتاشا تلك. أحاول الفرار .ولكن الهدوء الفظيع الذي يميز هذه المنطقة التي تقتصر على الشركات التي تقفل ابوابها في مثل هذه الساعات  إضافة الى القليل من البؤر السكنية المهلهلة التي لا تكاد تشعر بنباحها -لا يساعدني على تجاوز معضلة نتاشا تلك وكيف هذا وأنا على حافة تلك الإجابة التي تختزل في طياتها كل شيء..كل شيء..أشعل سيجارة جديدة …نسائم ربيعية لا تزال تتقدم وتفرض وجودها في الحيز..لم تسيطر الرطوبة الخانقة بعد على كل فجوة من فجوات المدينة التي لا تطاق في تموز وآب حيث تصبح بحق ..كابوس لزج …كابوس كهذا الذي أحاول ان استحضره الآن في هذه اللحظات التاريخية والمفصلية والأسطورية بلا..بلا…بلا   من حياتي ، عبثا …فأنا بعد دقائق عشرين سأعرف الحقيقة..ستصبح الحقيقة من ورائي بمعنى أنني لن اتصادم مع احتمالاتها في كل منحنى وزاوية طرق وشارع واستيقاظة وغفوة وتأمل في عيون جميلة ..بنية واسعة برموش طويلة بالتواءة ساحرة ..عيون تشبه عيوني (قليلا) تحمل كل ما في هذا الكون من حيرة…وتنتظر مني جوابا على أسئلة لم تطرحها بعد وقد لا تفعل ذلك أبدا …علّي أفهم ذلك لوحدي …لوحدي… هنالك حاجز بيني وبين ما أنتظر

00:15

يسقط على كتفي ومن جهة الشجرة التي فوقي براز صغير وجاف ليمامة ..يقولون ان هذا طالع خير …أقوم باستعراض مبتذل لحياتي كما تبدو الآن …هي تبدو بخير …سيارة طويلة فارهة توحي بأنني رجل أعمال فاسد…تبذير غير متوازن بتاتا..كتابة ..غزارة في الكتابة “حول الفاضي والمليان “..لقاءات صحفية في الداخل والخارج..ما هذه السخافة ؟ لا يمكنني أن أكون كاتبا وحياتي سعيدة (أكيد في غلط والموضوع مش سكسي)…ما هذه السيارة التافهة التي أشعر بداخلها بأنني كائن مجهري لا يمكن تمييز وجوده…أين عذابات الكتاب والفنانين اين شقاؤهم وجمالهم وهم يشحذون عقب سيجارة في الطريق العام…أنظر الى الشجرة فوقي ..أبحث عن اليمامة البيضاء أو ذلك الطائر الذي تغوط على كتفي الهشة من دقيقتن…تفزعني فكرة أنه قد يتغوط داخل فمي في أي لحظة…قد تكون نتيجة التحليل مأساوية بعد دقائق معدودة ..هي كذلك فما الذي يفسر كل أولئك الموتى الذين التقيتهم في الحلم في الأسبوعين الأخيرين ..لم يبق ميت في عائلتنا وخارجها لم يزرني في الحلم في تلك الأيام ..حتى جارتنا العجوز الشمطاء التي كنت افزع من مجرد سماع صوتها عندما كنت مرة صغيرا والتي ماتت منذ الاف السنين …زارتني هي الأخرى بالحلم

00:10

بقيت دقائق قليلة ولكنني منذ زمن ..زمن طويل لم أعد صغيرا ، فأنا لا أذكر متى كنت صغيرا آخر مرة ..كي أسجلها في مفكرتي على الأقل …ولكن لا مفكرة لدى.. ولو كانت لدي مفكرة لكنت قد جننت او لما كنت اجلس اليوم ها هنا على هذا المقعد في هذه الجادة الخاوية مساء في هذه المحلة الصاخبة بغلافها في هذه المدينة التي استذكرت ان تحتلني  فقط بعد تجاوزي الخامسة والثلاثين – أي عندما كنت بالفعل كبيرا (جحش كما يقولون بالتشبيه العامي الشائع) ..ولكنني شعرت انني جحشا بحق منذ دهور – عند بلوغي الثانية عشرة وبعدها عند بلوغي الثامنة عشرة بقليل وفي جيل التاسعة عشرة والنصف شعرت بالشيخوخة لأول مرة ..وفي سن ستة وعشرين قررت أنني إن لم اتزوج أو أبدأ بدراسة اللقب الثاني  قبل حلول موعد عيد ميلادي …فسأقفز من الشرفة..وفي جيل 29 كنت وسط الساحة الرئيسية في براغ عند حلول ليلة ميلادي وعاصفة خسوف القمر وقد شعرت (بحق) ليلتها أن العمر وكل شيء معه فاتني …وبلوغي الثلاثين كان فجيعة قومية حقيقية ..أما الواحدة والثلاثين فقد كان بداية حقيقية لإحتضار لم يفض الى موت ..كنت كل مرة من جديد أشعر ان كل شيء سبقني وان الجميع أصغر مني..حتى في سن الرابعة والثلاثين..أما اليوم فأنا كبير واستحق اللقب العمري هذا  وأنا أجلس ها هنا..اين نبضات قلبي؟؟

00:05

بقيت خمس دقائق ، انهض من مكاني كي اصل بالوقت المحدد …ما هذا البرد الفجائي؟ حتى لو فتح لي الآن منفذا للفرار فأنا لن أفر ..سأداعب الحقيقة بعد قليل …سألامسها باناملي الممتلئة الوردية هذه ..سأقبل الحقيقة وأعانقها على أجزائها وفتاتها وكل ما يحيط بمعناها…يقولون: اعظم لحظة هي لحظة اكتشاف الحقيقة..ساتحقق بعد دقيقتين إن كانت الجملة مجرد ثرثرة تردد في البرامج الإذاعية الصباحية التي تطلق الإنسانية في فضاءات الأمل المبتذل ..أم لا .. أصعد سلالم الحقيقة ثم مصعدها المحتاج الى صيانة ..أدخل ممر ضيق ، ثم ممر أوسع يفضي الى حجرة ، بابها مقفل ..ثمة مقاعد وثيرة حول الباب الموصد ..ثمة موسيقى لن أنساها ما حييت – صياغة موسيقية حديثة ليهوديت رافيتس..لن انسى هذه المعزوفة المغناة المؤدية الى الحقيقة …أبدا ..حتى لو كان ذلك إجراءا تطبيعيا ذهنيا لا يتناسب مع اللحظة التاريخية ..الحادة

00:00

ما أعظم لحظة اكتشاف الحقيقة داخل عيون كبيرة جاحظة بنية واسعة برموش طويلة بالتواء ساحر ..عيون تشبه عيوني (قليلا) تحمل كل ما في هذا الكون من حيرة…وتنتظر مني جوابا على أسئلة لم تطرحها بعد وقد لا تفعل ذلك أبدا …علّي أفهم ذلك وحدي …لوحدي…

من رواية “بر-حيرة-بحر” – دار أزمنة – عمان 2011

Advertisements