راجي بطحيش: من رواد التجاوز في السرد العربي المعاصر

| سليم جدبان |

تُعد الكتابة السردية الإبداعية مجالاً خصباً لاستكشاف أعماق التجربة الإنسانية، بما في ذلك جوانبها الأكثر حساسية وجرأة. إن تناول مواضيع مثل الألم الجسدي والإيروتيكية في الأدب ليس مجرد خيار فني، بل هو ضرورة لتوسيع آفاق السرد وتعميق فهمنا للذات والآخر. هذه المواضيع، على الرغم من التحديات المجتمعية والذاتية التي قد تثيرها، تفتح مساحات للتعبير عن المسكوت عنه والمكبوت في النفس البشرية والمجتمع.1

تساهم هذه المقاربة الجريئة في “تفكيك الوحدة المصطنعة للإنسان” وتحدي الصور النمطية السائدة، كما يتضح في أعمال راجي بطحيش الأدبية التي تسعى لكسر صورة الفلسطيني الواحد أو الإسرائيلي الواحد.1 إن الهدف من هذه الكتابة التجاوزية لا يقتصر على مجرد الاستفزاز، بل يتجاوزه إلى نقد الأعراف الاجتماعية والمفاهيم المسبقة، وتقديم شهادة على تجارب الذين تم إسكاتهم أو تهميشهم. هذا المنظور يرفع من شأن المحتوى الجريء ليصبح أداة قوية للتعبير الاجتماعي، والتأمل الذاتي، ومنح صوت للتجارب المهمشة أو المكبوتة.

تتطلب الكتابة في هذا السياق فهماً دقيقاً لمفهوم الكتابة التجاوزية والإيروتيكية الفنية. الكتابة التجاوزية (Transgressive Fiction) هي تيار أدبي يتعمد تناول المواضيع المحظورة والمثيرة للجدل، ويدفع بحدود المقبول اجتماعياً وأخلاقياً، بهدف نقد الأعراف الاجتماعية والمفاهيم المسبقة. يتميز هذا النوع من الكتابة بشخصيات معقدة ومعيبة، واستخدام صور حية ووحشية، وتجريب في البنية والشكل.

أما الإيروتيكية الفنية، فتختلف جوهرياً عن الإباحية. تُعرف الإيروتيكية بأنها “جنس أصبح فناً وإيقاعاً”، وتهدف إلى إدامة اللذة والرغبة من خلال البعد الجمالي والغرامي للعلاقة، وتحترم الحميمية وتترك مساحة للخفي واللامرئي. على النقيض من ذلك، فإن الإباحية “تكشف عن العورات وتتجاوز الحدود” و”تقزم ما هو حميمي إلى حدود نسيان الجانب الإنساني فيما يُعرض ويمارس”. هذا التمييز جوهري لورشة العمل، حيث يجب أن يكون التركيز على الغاية الفنية والجمالية للكتابة الإيروتيكية، مع تجنب الوقوع في فخ الإباحية التي تفتقر إلى العمق الفني أو الإنساني. إن فهم هذا الفارق الدقيق يضمن أن تكون الكتابة جريئة وذات مغزى، بدلاً من أن تكون مجرد صدمة بلا هدف.

يُعد راجي بطحيش نموذجاً بارزاً للكاتب الذي يتجاوز المسلمات في السرد العربي المعاصر، مستخدماً أسلوباً فريداً في تناول الألم والجسد والإيروتيكية.

ملامح أسلوبه السردي

يتميز أسلوب بطحيش بالتكثيف، والمزج بين السخرية والميلانكوليا، والكتابة الكويرية، مما يسمح له بالتعمق في عوالم الشخصيات والمدينة والعنف المحيط بها في عدد قليل من الصفحات.1 يتجلى في أعماله أسلوب “تداخل الأجناس والتناص”، حيث تتكون نصوصه من مستويات وطبقات متعددة تجمع بين السرد والشعر، وتتداخل فيها الأزمنة ومواضع الراوي، وتدخل الذكريات فجأة. هذا التداخل لا يقتصر على الجانب الجمالي، بل يمثل طريقة متطورة لمعالجة الحقائق المعقدة، وربما التي لا يمكن التعبير عنها بشكل مباشر. من خلال مزج الأنواع الأدبية، وتغيير وجهات النظر، ودمج الذكريات، يقدم بطحيش تصويراً متعدد الأوجه وغير خطي، مما يجعل سرده أكثر إثارة للقلق أو أكثر أصالة.

لقد تطور أسلوبه بشكل عضوي من الشعر إلى النثر الشعري، ثم القصة القصيرة، وصولاً إلى النص التجريبي الهجين والرواية. هذا التطور لم يكن خياراً مقصوداً بقدر ما كان “قدراً طبيعياً لا مهرب منه”، نابعاً من تجربته الأدبية والحياتية ومخزون الذكريات والألم الذي تراكم لديه على مر السنين. هذا التطور يشير إلى أن اختيار القالب الأدبي ليس قراراً عشوائياً، بل هو استجابة عميقة وطبيعية لشدة وطبيعة المحتوى الذي يحتاج إلى التعبير عنه. يمكن للمشاركين في ورشة العمل أن يستلهموا هذا المفهوم، مما يشجعهم على السماح لشدة وطبيعة تجاربهم مع الألم والإيروتيكية بتوجيه شكل وهيكل كتاباتهم، بدلاً من فرض نوع أدبي مسبق.

تناوله للألم والجسد والإيروتيكية: الجرأة، السخرية، كسر المسلمات

يكسر بطحيش الصورة النمطية للفلسطيني كضحية، ويسخر من العادات الاجتماعية للطبقة الوسطى في الناصرة، ويصف رائحة الكعك بالسمسم في زمن الطفولة بـ”كأنها تبكي على “العرب المتدحرجين من الأندلس”” في محاكاة هزلية لقصيدة محمود درويش “الكمنجات”. هذا النهج يتجاوز السخرية السطحية إلى نقد أعمق للروايات الثقافية السائدة.

يعتمد بطحيش الألفاظ الجنسية الصريحة والعلاقات المثلية المحررة، مثل شخصية إميل وعلاقته بسمير المسلم، كوسيلة لتحقيق أكثر من غاية، منها تفكيك الوحدة المصطنعة للإنسان الفلسطيني. هذا الاستخدام للغة الجنسية الصريحة والعلاقات المثلية ليس مجرد استفزاز، بل هو أداة لتحرير السرد من القيود الاجتماعية والسياسية، مما يسمح باستكشاف هويات أكثر تعقيداً.

لا يضع بطحيش حدوداً لسخريته حتى فيما يتعلق بالمقدسات الدينية والوطنية. على سبيل المثال، يشير إلى مجزرة صبرا وشاتيلا بعبارة “مثل ريا وسكينة أو مريم ومرني”، ويصف زيارة معسكرات الإبادة في بولونيا مع التركيز على محلات “الآوتلت”.1 هذا التناول يبرز قدرته على تحدي التابوهات وكسر هالة القدسية عن الأحداث التاريخية والدينية، مما يفتح المجال لإعادة تقييمها من منظور نقدي وساخر.

يتحدى بطحيش وصايا الأخلاق بتفاصيل جسدية صريحة، مستخدماً سؤالاً بلاغياً موجهاً لوصي الأخلاق: “ماذا عن الجسد الأنثوي، عن بطن مادونا، عن رقبتها، شفاهها، صدرها، ماذا عن ثدييها يا شيخنا؟” بعد وصفه “ثلاث نقاط تُشخط بالأسود على حلمتَي «مادونا» وسرّتها”. هذا لا يمثل مجرد وصف، بل هو حجة مضمنة في السرد، تسلط الضوء على الطبيعة التعسفية لما يعتبر “فاحشاً” وتدعو إلى رؤية أوسع وأكثر شمولية للجسد. يمكن للمشاركين في الورشة أن يسترشدوا بهذا الأسلوب، ليس فقط لوصف الجسد والتجارب الإيروتيكية بالتفصيل، بل أيضاً لتضمين موقف نقدي ضد الأعراف المجتمعية أو الرقابة ضمن كتاباتهم.

يحدد بطحيش مصدرين للعنف الذي تصطدم به شخصياته: الأب والدولة، أي السلطة الأبوية والسلطة الإسرائيلية.1 هذا الربط بين العنف الشخصي والعنف المؤسسي يضيف بعداً اجتماعياً وسياسياً لأعماله، مما يجعل الكتابة عن الجسد والألم جزءاً من نقد أوسع للهياكل القمعية.

أمثلة تحليلية من أعماله

تظهر في أعمال بطحيش أمثلة واضحة على تطبيع الغرابة، مثل جملة “خرج إميل كعادته كلّ صباح إلى الشارع الرئيس في ديانا، ليستعرض أوراق الموتى”.1 هذا الأسلوب يجعل الأفعال غير العادية أو المحظورة تبدو روتينية، مما يزيل عنها طابع الصدمة ويجعل القارئ يتقبلها كجزء من الواقع السردي. هذا يشجع المشاركين في الورشة على الكتابة عن الجوانب “المحظورة” أو “غير المريحة” من الألم والإيروتيكية كما لو كانت عادية، أو استخدام المونولوج الداخلي لاستكشاف الأفكار والمشاعر غير المصفاة المحيطة بهذه التجارب.

كما يظهر في أعماله تأكيد على الذاتية والفاعلية، مثل قول “أنت… أي إميل، مصدر لحظتك المثيرة، وأنت من يُنتجها”.  هذا التركيز على الفاعل الذاتي يمنح الشخصيات قوة وتأثيراً في تجربتها، حتى في سياقات الألم أو الإيروتيكية. ويتناول بطحيش الفشل الجنسي بصراحة، كما في جملة “بهذه الكلمات خاطب إميل نفسه بعد علاقة جنسيّة عابرة تكلّلت بالفشل”. هذا التعامل المباشر مع جوانب الحياة الجنسية غير المثالية يكسر التابوهات ويسمح بتصوير أكثر واقعية وتعقيداً للتجربة الإنسانية.

إن خلفية بطحيش الأكاديمية المتنوعة، والتي تشمل الهندسة   وكتابة السيناريو، والدراسات الثقافية 8، تشير إلى عقل اعتاد التفكير التحليلي والفهم الهيكلي والنقد الثقافي. هذه الأدوات الفكرية المتنوعة تساهم على الأرجح في قدرته على مزج الأنواع الأدبية، وتفكيك الأعراف المجتمعية، ومقاربة المواضيع الحساسة بدقة وحرية فنية. وهذا يعني أن التجاوز في أعماله ليس مجرد إثارة، بل هو غالباً متجذر فكرياً ومبني بعناية. يمكن لورشة العمل أن تشجع المشاركين على الاستفادة من خلفياتهم المتنوعة ومهاراتهم التحليلية عند تناول المواضيع الحساسة، مما يثري سردياتهم التجاوزية بعمق ومنظور نقدي.