“الحياة” وهي تتوقف؛ سيرة الكتابة، القراءة والحياة!/ حازم درويش

                                                                                                                                              | حازم درويش|

تتوقف هذا الشهر الطبعة الدولية الورقية من جريدة “الحياة”. لم تقرأ الخبر في “الحياة”. لم تسمعه من محررك. بل على صفحة أحد الأصدقاء على الفيسبوك.

منذ تحول الثورة في سوريا إلى حرب مفتوحة ومن ثم هجرتك من حلب انقطعت عن قراءة هذه النسخة الورقية إلا في فترات متقطعة زمن إقامتك في إسطنبول. لكن بالرغم من ذلك كسرك قراءة خبر توقف هذه الطبعة الدولية.

أحداث كثيرة وخسارات من كل شكل ولون وقعت منذ ذلك النهار الصيفي في عام ١٩٩٩ الذي فتنتك فيها أنت المراهق إعلانات مميزة لجريدة “الحياة” في مجلة “الوسط” التي يقرأها والدك وبين هذا اليوم الذي تعيشه وتقرأ فيها “الحياة” الكترونيا من مهجرك في هولندا.

لازلت تتذكر جيدا كيف كنت تقصّ إعلانات “الحياة” من المجلة وتلصقها على باب خزانتك وفوق رفوف مكتبتك. بعد تردد دام أسابيع تطلب من والدك أن يساعدك في البحث إن كانت جريدة “الحياة” توّزع في حلب وفي أي الأكشاك. وحين تجدونها في كشك وسط المدينة قريب من بيت جدك،  تطلب منه أن يسمح لك بشرائها يوميا من مصروفك الشخصي الضئيل، فيوافق. لتبدأ رحلتك اليومية  الذي تواصلت على مدى أكثر من عقد من الزمان لاقتناء الجريدة من هذا الكشك الأليف الواقع على كتف بناء أثري جميل تحت شجرة بلوط كبيرة.

تخرج من البيت أو المدرسة الثانوية ولاحقا من الجامعة وتذهب لاقتنائها. أعدادها قليلة جدا. كانت أحيانا تنفذ قبل أن تأتي. لذا أتفقت لاحقا مع صاحب الكشك العجوز أن يحتفظ لك بنسختك قبل أن يبيع أي نسخة. تأخذ الجريدة وتبدأ بتصفحها فورا. لا تصبر دقيقة. وأنت تمشي تبدأ تقرأ. أيضا تأخذها إلى الباص، الحديقة القريبة أو لاحقا إلى مقهى ميلانو الشهير في حلب. صرت معروفا لدى صاحب الكشك وجيرانه كما لكثيرين في المقهى والجامعة بأنك “الذي يقرأ (الحياة)”. لا يأتي اسمك أو صورتك إلا مقرونا باسم الجريدة وصورتها.

تأخذ الجريدة. تقرأ العناوين بسرعة. وفورا إلى صفحة الرأي ومن ثم إلى الملاحق لترى جديد ما نشره حازم صاغية، وضاح شرارة، عبده وازن، ربيع جابر، هدى بركات وأسماء أخرى كثيرة صنعت لك العالم، خلقته وجعلتك تعيشه، تتعرفه وتتعلمه كما لم يكن مقدرا لك في مدينة كان يتم كسرها بدراية خبيثة كحلب.

الكثير من مواد “الحياة” كانت في ذلك الوقت أكبر بكثير من عمرك أو قدرتك على الاستيعاب. لكن ذلك لم يمنعك من قراءة  الجريدة يوميا بالكامل. خاصة صفحات الرأي والملاحق التي كنت تقرأها حرفا حرفا! ملحقي “آفاق” و “تيارات” كانا جنتك الحقيقية على الأرض. عوالم لا نهائية من الأفكار والصور والأحداث. تعلمت مع هذين الملحقين كما مع الجريدة بكلها ما لم تستطع لا في المدرسة ولا في الجامعة تعلمه أو رؤيته. ولربما كان أهم ما تعلمته في ذلك الوقت أن الحياة أغنى وأكثر قابلية للحرية والإبداع والجمال من حياتنا التي جعلها نظام البعث المقزز سجنا يوميا قاتلا لكل شيء. “الحياة” وحدها كانت خارج ذلك السجن. كانت تنبهك كل يوم أنك في سجن. وأنها وكتابها سيحاولون إضاءة دروبه إلى أن تستطيع تحطيم جدرانه أو الهرب منه أو على الأقل أن تبذل محاولة يومية للفهم والمعرفة أولا ومن ثم لخلق أي تغيير بسيط في حياتك وحياة من حولك. أن تتوقف عن هزّ الرأس موافقة على كل شيء وأن تكون نفسك ما أمكنك ذلك. حتى ولو على سبيل الانزواء عن كل شيء والاكتفاء ب”الحياة” عن الحياة!

لاحقا لم تكتف “الحياة” بنفسها، بل قادتك إلى عوالم واسعة من القراءة والبحث. مكتبات كاملة كان الدافع لقراءتها ما كنت تقرأه في “الحياة” من مراجعات وأفكار من كتّابها أنفسهم أو عبر ما يكتبونه.

ولم تبق “الحياة” أسلوب قراءة، بل أيضا أسلوب كتابة وبحث، أسلوب حياة. تقرأه كما تكتبه وتعيش به.

مرات كثيرة كانت تمنع “الحياة” من دخول سوريا. الرقيب كان لا يرحم لا “الحياة” ولا قراءها السوريين القلائل. في مثل ذلك اليوم كنت تصاب بخيبة شديدة وتحاول أن تصرّف يومك بأقل ضرر ممكن وأنت تتخيل رائحة ورق الجريدة وعناوينها ومقالاتها التي ظلّت في بيروت وفاتتك.

بعد سنوات سينقلك شغف قراءة “الحياة” إلى شغف الكتابة فيها. لا تعرف الآن كيف اجتزت في فترة قصيرة العتبة بين الشغفين. فقد كنت حينها لم تزل طالبا جامعيا. لكن من يقرأ “الحياة” ويبقى قارئا فقط؟!

رغم بساطة المواد التي كنت تكتبها في “الحياة” حينها اختزنت جملة في إحدى المقالات احتمالات لم تسرّ الرقيب السوري اليومي وحولته إلى رجل أمن يزورك في منزلك وفي جامعتك ويقابل قبلا سرا أصدقائك وجيرانك ليستفسر عنك وعن حياتك. ما أن تسمع صدى تلك الزيارات والاستفسارات حتى تفرغ منزلك من كل أعداد “الحياة” كما غيرها من الكتب والكتابات لتخفيها في قبو منزل جدتك في حلب القديمة. في نهاية “زيارته” لك يصحبك إلى فرع المخابرات لمقابلة سريعة. في المقابلة التي لم تكن قادرا حينها على تمييز ما هو حقيقي منها وما هو مجرد محاولات لإيقاعك في أقوال ينتظرها منك، يسألك عن “الحياة” وما تكتبه فيها وينصحك بالتوقف عن  كتابة “مثل هذه الأشياء” ويطلب منك الانتساب لحزب البعث في جامعتك.

غادرت ليلتها الفرع على قدميك، لكن منذ ذلك المساء اختزنت كراهية لم تفتر حتى اليوم لنظام الأسد ورجاله ولكل ما كسروه في سوريا والسوريين على مدار عقود.

 توقفت عن الكتابة في “الحياة”، لكن ليس عن القراءة إلا بعد أن اشتدت نقمة النظام السوري على الجريدة مع قيام الثورة السورية فمنع إدخالها نهائيا إلى البلاد.

حين غادرت حلب إلى إسطنبول مع اشتداد الحرب في حلب. كانت لحظة هائلة من الارتياح حين لمحت لأول مرة جريدة “الحياة” في كشك صغير بالقرب من آيا صوفيا وسط إسطنبول. ثمن الجريدة كان مرتفعا، لكنك ظللت تشتريها ما استطعت وتقرأها بشغف وحب في مقهى في تقسيم أو على باخرة بين ضفتي البوسفور. تماما كما كنت تفعل في مراهقتك في حلب.

“الحياة” بين الزمنين تغيرت كثيرا، لكنك ظللت تسامحها وتتفهمها. ظللت تجد فيها ما يغنيك ويعينك. بعد أشهر من العودة لقراءة “الحياة” عدت أيضا إلى الكتابة فيها. لكن بحرية اكتسبتها مع الهجرة فكانت فرصة لك لتناقش مواضيع كثيرة ظللت عاجزا سنوات طوال عن الكتابة فيها.

اليوم في أمستردام لم تعد ذلك المراهق في حلب؛ يسحب الجريدة بشغف، يشم رائحة الحبر الساخن. يتأمل ملأ عينيه العناوين وشعار “إن الحياة عقيدة وجهاد” وهو يملك جزيل الأحلام. لقد بت ذلك الكاتب الصحافي الذي صنعته “الحياة” ورسمت دروبه. ويشار إليه بها. لكن هذا لم يمنعه من أن ينكسر وهو يقرأ على صفحة فيسبوك ما خبر توقف الطبعة الورقية ل”الحياة”.

زمن حبر “الحياة” الساخن وكشك الجرائد الصغير في حلب والمراهق الذي يلصق إعلانات الجريدة على باب خزانته ضاع كله، ولم يبق منه لا حلم ولا بشر ولا حجر. لذا من سيطاوعه قلبه أن يعاتب “الحياة”؟!

Advertisements