توليب أزرق لشتاء رتيب!/ حازم درويش

 |حازم درويش |

الحياة مرة. فصل فيها يزهر وباقي الفصول اجترار لأوهام عن حياة تستحق أن تعاش كوردة تضيء الكون حين تتفتح ثم لا تذبل. فليس بلا معنى أن يتصدر الورد كل المشاهد التالية على الموت والمرض والوحدة. وردة واحدة تعين الناس على الذاكرة كما على اﻷلم وتمدهم بأنفاس كانوا يفتقدونها قبل آن من الورد. وردة واحدة تعين على مرارة الحياة.

 بماذا يفكر شاب بسترة خضراء داكنة وشعر أشقر مجعد يشتري وردا؟ هل يفكر بالمنتظرين؟

                        حبيبة، أمّ، صديق عاتب، غرفة مضاءة بوحدة ثقيلة؟

يحني الظهر قليلا، ويشير إلى التوليب اﻷزرق. ليس موسمه، لكنه يملأ الدكاكين كما زوايا اﻷرصفة هذه الأيام هنا. يبتسم له البائع. يرد الشاب الابتسامة له. بماذا يفكران وهما يبتسمان؟ يفكران بالمنتظرين لربما، الحياة مرة، والمنتظرون كثر.

 يدخل الواحد إلى حياتنا، يلونها ويخفف من مرارتها، ويعطينا عمرا فوق العمر، ثم تجرحه شوكة منا أو من هواء يمر بقربنا. فيروح يجلس بالانتظار. هل ترضيه وردة أم أنّ الوقت سيرضيه؟ الورد يفعل والوقت أيضا. فالذي يحلّي حياتنا، كيف يطاوعه قلبه أن يعيدها مرّة؟

لا أحد يدخل القلب ثم يخرج منه. الكل يبقون كوردة معرشة على باب عتيق في حارة قديمة. كحياة يمر فيها كل شيء. ولاشيء فيها يمر. تماما كما الورد يذبل ويبقى على قيد حياة آتية.

الورد ليس الحياة نفسها، لكنه تماما فكرة اﻹنسان عنها. مهما خدعك أحد بتشاؤمه ونزقه، لكنه يظل على أمل، على ثقة بالحياة، كوردة تتفتح، ستتفتح. متى ما فقد الواحد هذه الفكرة عن الحياة يروح إلى الليل، يضع رأسه إلى وسادة، ثم ينام ولا يستيقظ مرة أخرى.

زمان كانت الواحدة في الحارات العتيقة وهي تتفتح في بيت أهلها على مهل والبيوت أقفال وأستار، تروح مع الصباح تقطف وردة وتشكلها على أذنها، ثم تكبر، ويكبر معها يومها في عالمها الصغير الممكن كما الورد، كما كل شيء. من كان اﻷجمل في تلك الصباحات، الفتاة أم الوردة؟ أم هذا العالم الذي مهما أطبق بمرارته على ناسه يبقى يمدهم بأسباب الجمال والورد من حيث هم أنفسهم لا يعلمون؟

     الحياة مرة والشجر عال، يحجب غالب الرؤية فترى من خلاله الكثير. ترى السماء زرقاء على مهل من نفسها. تراها تلون اﻷلوان نفسها. أزرق للجذوع، أزرق للأغصان، أزرق للرؤوس العالية.

الحياة مرّة. لكن كلما غصت بمرارها أنجدناها. وكلما تضاءلت قدرتنا على الرؤية أبصرنا. وكلما أوجعتنا اﻷيام عاجلناها بوردة. وردة على هيئة كلمة، على هيئة صلاة، على هيئة سؤال. فلا ورد بدوننا. نحن الورد على الحقيقة والمجاز. والذي ينتظر الورد، ينتظرنا في الحقيقة، بورد وبدونه.

الحياة مرّة. والربيع الذي يأتي مرة، يعاود المجيء. لا نريد أن نصدق أن الخريف هو النهاية. ما ننتهي إليه هو ماكنا عليه طيلة الوقت. الورد يبقى في الانتظار. والمحبين كذلك. وأنت نفسك تبقى منتظرا نفسك. كوردة لها فصلها، لكن ماهي لولا كل الفصول؟

Advertisements