سيدي الذي في المكتبة، جئت لأكتبك!/ حازم درويش

| حازم درويش |

Farah Azrak – Syrian Artist
Untitled, 2017, collage, 42×30 cm

لم أكن على موعد معك، استيقظت بتثاقل في الثامنة وترددت كثيرا قبل أن أرمي عني لحافي الأزرق الأليف، يقولون في رسالة الطقس التي أيقظتني أنّ العاصفة لاتزال مقيمة بيننا وأنّ البرد قارس جدا جزيلا، وأنا لازلت في إجازة الميلاد، فلم لا أنام أكثر قليلا بلذة لا تأتيني في النوم إلا في هكذا صباحات نادرة؟

غادرت كل أفكاري الخبيثة.. هذه ما أن تذكرت موعدي في المكتبة مع مدربتي اللغوية بعد ساعتين، أقرأ قليلا ثم تأتي هي.. فكّرت، يكفي أني تأخّرت عنها بالأمس! ما أن دخلت المكتبة حتّى حملت بعضا من جرائد الصباح من على أحد الرفوف المرصوفة إلى جانب المدخل، طلبت فنجان قهوة من موظف المكتبة الوسيم ورميت جرائدي وأشيائي إلى طاولة تخيرتها إلى جانب نافذة تطّل على نهر آيسيل.

تماما ما أن ملت برأسي إلى يميني قليلا حتى لمحت بعضا من شعرٍ أشقر مجعّد منسدل على جبين أبيض عريض، شيء ما خفيف ثقيل ينزل من العين إلى القلب، أجل إلى القلب مباشرة! شيء هكذا ينكسر على مهل، لكن لا أحد يسمع له صوتاً. “يا إلهي” أقول في سرّي وأنا أحاول تفكيك هذه اللقطة السريعة وأعود ببصري إلى جرائدي المرّمية على الطاولة، ثمّ مرّة أخرى إليك؛ عيناك الزرقاوان الواسعتان المصوّبتان بتحدٍ هادئ إلى شاشة لاب توب تتنقل على لوحة مفاتيحه الأصابع الطويلة الناعمة لكفيك الضخمين، كتفيك العريضين المستندين باسترخاء إلى ظهر كرسي أزرق، جسدك الطويل المرتخي بخصرٍ رفيع على الكرسي وساقين خفيفتين تحت الطاولة، عروقك الملوّنة النافرة من زنودك القاسية وكلّك كما أنت عليه، بكل تفاصيلك التي جئت به إلى المكتبة اليوم.

أحاول لملمة كل ما تكسّر قبل أن ينتبه إليه أحد وأعود إلى جرائدي وأشيائي وأفشل. تظل تفاصيل كل ما تكسّر تحاكي تفاصيلك المكتملة بحنو من ينمّي في قلبه شوكا لا يرى الورد بدونه! صورة مبتذلة عن الورد والشوك هذه، أليس كذلك؟ لكن وبعيداً عن فخ الوقوع في صورة جديدة، ومن المؤكّد أنّك هولندي جدّاً وتكره الصور والاستعارات في القول والكتابة وتبحث عن الإيجاز ببلاغة لا تشوبهها شائبة مبالغة أو استرسال ما. بعيدا عن ذلك كنت أقول أحسبك تعرف جيداً أنّ ما نحتك على صورتك التي أنت عليها كائنا ما كان.. لم ينمّ  جمالا أو لذة إلا على ألم ولا فكرة إلا على نقيضها.

كيف الآن أؤدي بسلاسة إذا ما جئت إلى المكتبة من أجله بعد أن محت تفاصيلك كل ما رصفته في ذهني من أفكار لأقلبها وأكتبها؟ حقّاً لماذا أتيت اليوم إلى هنا؟ للموعد؟ للكتابة؟ أو يبدو فقط لآراك، لأكتبك، لا أكثر!

Advertisements