خريف ملون…كرجلين دافئين منتصف الليل في أمستردام! / حازم درويش

| حازم درويش |

في أوراق الخريف التي تقضمها عجلات دراجتك كل نهار في دروبك اليومية في مدينتك الهولندية الصغيرة تقرأ وجوه كل هؤلاء الرجال الذين يمرون على أيامك وخلالها، قبل هذا الخريف كما أثناءه، رجال هم بأل التعريف أو بدونها يظلون رجال يأتون ليقضموا الوقت صحبة أشياء اشتهوها في هذا المثلي الغريب ويرحلوا، وقتهم لا يكفي لمداراته وما يأمله، لايريدون سوى أن يحصلوا منه مايملأ سلالهم الدافئة أو الباردة، ثم يتركونه كما كان قبل أن يمروا عليه؛ شجرة على رصيف منسي لمدينة ذاهلة عن نفسها وعن ناسها، وهم كأطفال أشقياء لمدارس مهملة يتبارون بعد هروبهم قبل نهاية الداوم بقطف ثمار هذه الشجرة الملآنة بكل ما يطيب لهم تناوله في لحظته، ثم يتابعون دروبهم إلى حياة طويلة لا تعرف عنها هذه الشجرة شيئا ولاهم في وارد اصطحابها إليها. أما كل سبلهم الحانية كما القاسية لقطف تلك الثمار على اختلافها فلا يصدقها أو يتامل منها شيئا أحد سوى الشجرة نفسها، لكنها إلى تصديقها لا تلبث كل مرة من جديد أن تتأكد مما تحاول تكذيبه مع كل واحد منهم، فهم غير عابئين بغير ما تحمله من ثمار آنية، وما أن يمسحوا أيديهم بجذع هذه الشجرة ويديروا ظهورهم سوف لن يلتفتوا مجددا إليها ولا حتى بابتسامة على طريق، وهنا فقط يروح كل هؤلاء الرجال يصيرون أوراقا ذابلة تسقط من ذاكرة الشجرة وأيامها بعسر وأسى طيلة الخريف.

ورغم ذلك تحاول أن تكون حنونا في قراءة الأوراق المتساقطة أرضا تحت دراجتك، أن تتأمل نفسك في كل ثمرة، كل ورقة، تحاول أن تقرأ الأشياء، أن تفهمها، أن تضم الزائد إلى الناقص، أن تفرز الرجال الهولنديين عن سواهم من الجنسيات، أن تعيد ترتيب المشاهد؛ الملونة منها والبيضاء والسوداء، أن تتوقع الأسباب، أن تتفرس النتائج، تحاول ذلك مرار وأنت على دراجتك مع كل الأوراق الصفراء البنية الحمراء البرتقالية. تحاول، لكنك لا تستكين إلى أي فكرة مطمئنة، فقط الكثير من الوجوه، الكثير من الابتسامات، الكثير من محاولات اللعب على مشاعر وحدتك وغربتك، والنهاية ذاتها؛ ورقة جديدة ذابلة لفصل يتجدد من ذاته.

عندما تصل بك كل هذه الأوراق الخريفية إلى فكرة النهاية المماثلة إياها مع كل منهم لا تعود على دراجتك، بل تغادر فكرة الشجرة إياها عن نفسك وتصير وكأنك ورقة صفراء أخرى في دروب هذا الخريف؛ ورقة كسائر الأوراق المتساقطة الراحلة، هي ذاتها أو مرآتها، وهنا تنتفي الحاجة إلى مساءلة النفس؛ نفس الذات الكاتبة هنا كما نفوس كل هؤلاء الذين غادروا قبل الخريف أو أثنائه، ويصير السقوط كما فصله الأصفر نعمة من رأى كل الأشياء في نفسه قبل حدوثها وبعده، فآمن بها وصدقها حين كانت خضراء كما هي الآن صفراء ذابلة.

من الذي يتشبه بالآخر ويقتدي به إذا، الفصول أم الرجال؟ الخريف أم أوراقه؟ ورقة أخرى صفراء تحت عجلة دراجة أم فكرتك عنها؟ عصفور لطيف بذيل ملون يطرق زجاج نافذتي وأنا أكتب هذا النص أم هانس اللطيف الذي أحياني وأماتني على ضفة قنال أمستردام قبل أسابيع؟ أنت وأنت تقرأ هذا النص لتصل إلى ما يريد كاتبه أن يقوله فيه أم أنت وأنت تبحث عن نفسك فيه؟ هل وجدتها؟ هل صرت ورقة خريف؟ ما لونها؟ هل صرت الكاتب ذاته وهو على ضفة القنال مع هانس؟ هل قبّلت هانس، هل غمرته وأنتما تتأملان أضواء الفنادق الملونة على صفحة الماء وسط أمستردام، هل مارستما الحب بشغف قبل ساعات؟ هل عاد هانس في الغد أو بعده أم اكتفى بثمار ليلة واحدة وسقط ورقة أخرى لخريف تذبل كل الأوراق فيه ولا ينتهي؟!

لا النص يملك نفسه و أسئلتها ولا أنت فاعل كذلك مع نفسك، ولا أحد يريد أجوبة لأي شيء، كل يملك جوابه في نفسه حتى لو ظن أو ادعى غير ذلك، حتى هانس يملك جوابه، حتى أنا، حتى وجهينا ونظراتنا بعد منتصف ليل منا ومن أمستردام. لذا حين أدوس كل هذه الأوراق الخريفية تحت دراجتي لا أسألها شيئا في الحقيقة، لا أحاسبها حتى، فقط أتأملها ووجوهها فأروح أحس نفسي أخف؛ ورقة أخرى تريد أن تواصل سقوطها صحبة هذه الأوراق الملونة، تريد هي أيضا أن تكتسب لونا خريفيا لن يكلفها سواء عناء هذا السقوط، وفقط حينها يصير الخريف أخف حتى من اسمه ومن كل أوراقه وألوانها، أجمل حتى من نظرات عيني هانس وابتسامته في تلك الليلة الخريفية الدافئة، أجمل حتى من أمستردام في تلك الليلة ورجلان في محطة قطار يتبادلان الأنخاب والقبل وهما يخادعان فصلا يعرفان أنهما ساقطان في غده كورقتين ذابلتين في خريف الرجال والنفوس وماتخفيه وما تظهره وماتهرب منه إليه!

 

Advertisements