في فقه الوحشة… حدثنا عن ساعة الفجر الأولى قال!/ حازم درويش

| حازم درويش |

يفتح عينيه إلى فضاء الغرفة المظلمة حوله محاولا أن يعي الفارق الهش بين ما كان يشاهده في منامه القلق وبين ماهية الوجود الملقي بظلمته عليه الآن، يحاول أن يمسك به سريعا، إن لم يفعل سيطيل من أمد سقوطه الثقيل بين النفس التي يستقيظ بها وتلك الأخرى التي يريد أن يخلعها عنه إلى منامها المستيقظ منه على خوف ووجل.

في دقائق المحاولات المتلاحقة هذه تهبط على رأسه كل الأسئلة التي تعمق سقوطه، أسئلة يفكر في النهار أنه أجاب عنها، أنه اجتازها، يفكر ذلك، يحب أن يفكر ذلك، يتمنى أن يفكر ذلك، يعمل، يحاول، يصلي، لكن على من يقرأ مزاميره؟ الفجر يكذب كل إجاباته، ويخطفه إلى أزمنة وأمكنة وأسئلة لا أقل من أنها أمر حتى وأقسى من تلك اللحظة التي صلى فيها يسوع غريبا لأن نفسه منهكة “حد الموت”.

ينهض بجسده إلى درابزين السرير الأبيض، يحاول أن يصلي، أن يقول شيئا للعذراء أو ابنها يسوع، يحاول أن يوقف سيل الأفكار والمخاوف التي تجرفه، أن يتعلق بأي مسمار على حائط الهوة التي يسقط فيها، يمد يده إلى السبحة المعلقة على طرف السرير، يريد أن يبربر بأي صلاة، أن يناجي يسوع الذي دعاه مرة لأن يحمل صليبه ويتبعه، يريد أن يخفف من زرقة هذا الساعة الميتة بين الليل والنهار، يفكر أنه في تابوت، يفكر أنه سيجن، الأسئلة تتسارع في رأسه، كل الأسئلة، يحس أنه يخسر مرة جديدة هذه المبارزة الليلية المرة، يحس أن قلبه أصبح رمانة يابسة، يبكي، يرفع السبحة الخمرية إلى وجهه الندي؛ “دخيلك يا أم النور نورلي قلبي، ماعاد فيني” يقول وهو يحاول أن يميل برأسه من جديد إلى مخدته الزرقاء.

من النافذة خلفه وهو ملق برأسه إلى المخدة الطرية يروح أزرق الفجر يتسع رويدا رويدا، أزرق شاحب يتلو عليه من جديد كل الأفكار والأسئلة التي هاجمته قبل دقائق لكن بهدوء؛ فكرته الأولى عن الذي جناه من هذه الغربة وهذه الامتحانات كلها على كثرة ما عاشاه واختبره أما وفرحا؛ لكن لاشيء، الصوت من داخله يقول له: لم تجن شيئا! كنت وحيدا غريبا هناك في الشرق صحبة هويتك المثلية الخائفة، وها أنت هنا في هذا الليل وحيدا غريبا صحبة هويتك المثلية المعلنة، لم تكن مشكلتك أنك تريد أن تعلن هويتك أو تخفيها، مشكلتك أنك كنت تريد أحدا ما بجانبك في هذا الليل، يدا، كتفا، صدرا، رأسا، محبة، دفئا، لكنك لم تجد، لم تصل إلى ذلك ولا حتى لليلة واحدة!

كل هؤلاء الذين يتقبلون مثليتك الآن في الخارج، خارج هذا الفجر، هذه الظلمة، هذه الزرقة، ماذا قدموا لوحشتك، لجوعك ماذا قدموا لعاطفة صادقة في مثل هذا الفجر، لرغبتك برجل يكون لك ولو ليلة، لأسبوع، لشهر، لسنة، لا أحد يتحدث عن الأبد، ما عاد أحد يتحدث عن الأبد! لاشيء في الحقيقة، لاشيء، فقط أثمان تدفع لجهرك بمثليتك، كما أثمان دفعت لإخفائها.

سيقولون لك أن تنتظر، لكنك تريد أن تهشم رأس كل من سيدعوك للانتظار؛ كل هذا الانتظار وعلي انتظار المزيد؟! سيقولون لك أن تحب نفسك؛ أجل أنا أحب نفسي، ثم ماذا بعد؟ أنا بحاجة لهذا الإنسان الذي سيظل معي وقتا  قصيرا أو طويلا، محبتي لنفسي أكثر أو أقل لن تغير من حاجة لرفيق لهذا الزمن، لهذه الليالي! تريد الآن في هذه الساعة أن تتمناها لكل من ينام بقرب شريك منذ سنين طويلة وينظر عليك في النهار.

آخرون سيقولون لك أن تستمتع بحياتك، أن تستمع بالجنس المتوافر أي كان في أي مكان، ولهذا القول جانبين؛ الأول أنك عشته وجربته في الأشهر الأخيرة لكنه لم يوصلك إلى أي شي، بل عمق فراغك في النهاية، فكل الجنس في حياة المثليين هنا لن يتجاوز الربع ساعة أو نصفها على أبعد تحديد، ولربما لن يحتمل عناقا أو قبلة واحدة، ثم مع السلامة! لم تستطع أن تخرج من هذا كله بأي رجل يريد حتى المواعدة.

الجانب الثاني أنك وبسسب من هويتك الشرق الأوسطية لن تصادف إلا في النادر الذي لا ينتظر شبابا جميلين حقا يستهويهم أن يمارسوا الجنس معك، إلا ولأنك عربي فأنت جيد لتنيكهم يقوة كما يتمنون ويشاهدون في أفلام بورنو يريدون تأديتها معك ولو لمرة، أما أنت، فلست شيئا لأي أحد، إلا للعجزة والمعتوهين، حتى من تظنهم من الأصدقاء الهولنديين، يحاولون بشتى السبل أن تؤدي لهم هذا الدور، وأنت تعرف أنهم متى أحذوه وانتهوا منه سيرمونك إلى أقرب حاوية قمامة، لذا لا تعطيهم ما يلحون في طلبه، ولا تبنى على صداقتهم مقتضاها.

  ومن هذا كله إلى ماذا تهرب؟ إلى ما يهرب إليه كل الشرق أوسطين كمثلك هنا؟ إلى حفلات تعري كاملة أو جزئية، برقص وبموسيقا او بدونهما؟ إلى نيك ما تيسر ومن تيسر حتى من مقرفي الهولنديين ومعتوهيهم، إلى الساونات وبارات النيك السريع صحبة زجاجة بيرة باردة، إلى المخدرات على أشكالها، إلى الجنس المدفوع مع عجزة الهولنديين، لربما تحصّل ثروة تكفيك لإنفاقها على الحفلات والحشيش؟ إلى صبغ شعرك بالأشقر؟ إلى تشويه جسمك أملا بإرضاء سيد أشقر متخيل تراه في الشارع ولا تلمحه إلا نادرا في كل أجواء المثليين التي تتردد إليها؟

هذا كله جربت كثيره، وجربه ويجربه كثيرون من مشرقيين هنا على اختلاف درجات جمالهم وأعمارهم، وكلهم على ما عايشت وشاهدت بعيدا عن صور الانستغرام الملونة وسيكارة الحشيش المخدرة يعيشون فراغا مهولا وضياعا وخوفا يفوق ما كانوا يعيشونه في الشرق، ويفوق لربما ما تعاينه أنت الآن في ساعة الفجر هذه.

إذا، لم كانت هذه الهجرة كلها، لم كان هذا اللجوء والقسوة على عائلتك ومحبيك الذين خلفتهم وراءاك في الشرق، على أمك التي تقاسي الكثير شوقا إليك وحياة كنت تعينها عليها؟ أليس من أجل أن تصل إلى نفسك صحبة محبة أو دفء ما لوقت قصير أو طويل، أو حتى لتحصل نيكا دافئا أو قبلة شهية وأنت في مأمن من زمنك وناسه وفي رغبة حقة في هذا الذي تنيكه أو تقبله؟ أليس من أجل تغلق الليالي على سبيل ساعات فجر أولى أرحم وأحن؟ كم أجرمت إذا بحق نفسك وبحق الآخرين في رحلتك المجنونة هذا، رحلة الغريب إلى نفسه، نحن غرباء أنفسنا وغرباء الشرق والغرب؟

 إذا لربما عليك العودة من حيث أتيت، لكن أنت تعرف أن هذا ليس حلا، ـأنه كان سيئا لدرجة إن من الصعب العودة إليه، ثم من يعود؟ وإلى من؟ كل الأثمان دفعت عن هذه الرحلة، وإن لم تصل فهذا شأنك وحدك. لكن لربما على الأقل هناك لن تجن، لربما، لكن من يدري.

على هذه الأفكار كلها يروح أزوق الفجر يكتمل، تسحب هاتفك وتتنقل بين الانستغرام والفايسبوك بحثا عن بشر تحسبهم معك هنا في هذه الغرفة، تقلب الاسماء، تفكر أن تكتب لأحدهم عن هذا كله، أو عن بعضه، تفكر في ذلك، لكنك لا تفعل. ترمي الهاتف عن يمينك وتعود لتصلي للعذراءـ، يهدأ قلبك قليلا، تغفو وأنت تتمنى أن لاترى كمثل هذا الفجر مرة أخرى، ألا تجن، ألا تبيع نفسك كما أنت على شفا حفرة من أن تفعل.

عما قليل نهار آخر لا أثر فيه لهذا كله، فقط حياة على سبيل النفس ما اسنطاعت، ثم يأتي المساء تأكل وحيدا، تسهره وتطفئ شموعه وحيدا، وتنام وأنت لا تعرف كيف سترد عنك هكذا ساعة فجر جديدة في أزرق نهار الغد الباهت.

Advertisements