لا تنتظر مثليتك أكثر، لن تأتي! / حازم درويش

|حازم درويش|

إنها السادسة صباحا من يوم شتوي اعتيادي لمنتصف شباط، الظلام والضباب يلفان مخيم درونتن للاجئين، والباص الذي ينتظرنا ليقلنا إلى تيرأبل في يومنا الأخير من التحقيق مع شعبة شؤون الأجانب للنظر في طلبات لجوئنا على وشك المسير.

استيقظت على الخامسة أو لنقل أنك لم تنم على الحقيقة أبدا مخافة أن يفوتك الباص وساهما في كل إجاباتك التي ألقيتها في الأيام الأربعة الماضية على محاميك والمحققين، لذا تروح في الباص الذي سيصل تيرأبل بعد ساعة ونصف تروض كل مخاوفك من يومك الأخير كما قد فعلت سابقا مع كل يوم من هذه الأيام الخمسة القاسية التي استغرقها التحقيق.

في تيرأبل تجلس منذ السابعة والنصف وبعد أن يتم تجريدك كما في كل يوم من هاتفك وقلمك وأوراقك صحبة وقت انتظار طويل تتوقع فيه أن تلتقي في أي وقت محاميك الذي سيدقق معك إجاباتك النهائية لمحققي شعبة شؤون الأجانب، لكن موعدك معه لا يأتيك إلا على الخامسة عصرا!

وقت انتظار طويل لكنه ليس غريبا عليك أنت الذي أمضيت حياتك كلها تنتظر، تنتظر أن تخرج من الخزانة، تنتظر أن تعيش حرا آمنا، تنتظر أن تهاجر، تنتظر هذا التحقيق، تنتظر هذا المحامي، وكل هذه الانتظارات تدفع ثمنها عمرا وخوفا وأرقا وأملا قد يأتيك في النهاية وقد لا يأتي.

لكن المختلف في انتظارك في يومك الخامس من أيام التحقيق أنك أمضيته فخورا أو لنقل راضيا عن نفسك، فقد استطعت في الأيام الأربعة الماضية  أن تتلو على المحققين نفسك كما هي، كما أخفيتها وخفت منها وعليها عمرا كاملا، رغم صعوبة أسئلة المحققين وأسلوبهم القاسي والمباشر في طرح أسئلة كنت تهرب من الإجابة عليها حتى بينك وبين نفسك حين كنت في الشرق لا بل وحتى هنا في البدايات.

ففي الأشهر الأربعة الماضية وأنت تنتظر هذا التحقيق كنت تعتقد أنك لن تملك الشجاعة الكافية لتقرأ نفسك وتتلوها كما هي على المحققين، لكن وبمعية أصدقائك الهولنديين رحت خطوة بخطوة تفكك نفسك هذه وتتعلم أن تعلنها دون خوف أو خجل.

لكن رغم ذلك جاءت أسئلة المحققين في موعدي التحقيق جارحة ومباشرة ومفاجئة في بعضها رغم كل ما بذلته مسبقا لتكون مستعدا لها نفسيا وجسديا، ومن بين كل تلك الأسئلة يبقى السؤال الأكثر ألما ومفاجأة هو لماذا اخترت أن تكون مثليا؟ حين سمعت السؤال باللغة العربية عبر المترجم لوهلة صعقت تماما وظننت أنك لا تملك جوابا، فأنت مطلقا لم تفكر بمثليتك على أنها خيار، لقد وجدتها فيك كما هي منذ بدأت وعي نفسي في مراهقتك وحملتها كل هذا العمر معك وتحملتها، لا بل وحاولت الهرب منها مرارا، لكن كيف يهرب الواحد من نفسه؟ فأنت مثلي وهذا لم يكن يوما خيارا، ومن يختار أن يكون مثليا في الشرق؟ كم ستكون حياتك أسهل وأجمل لو كنت غيريا هناك؟! هل يعرف هذا المحقق اللئيم شيئا عن الأسى والتعب والخوف الذي جنيته طيلة عمرك نتيجة ما يظنه خيارا؟!

حاولت أن تتمالك نفسك كما وعدتها ووعدتك قبل التحقيق وأجبت على هذا السؤال بهدوء ما استطعت، لكن الأسئلة القاسية توالت على شكل صفعات قاسية في حلبة مصارعة، صفعات عليك تلقفها وردها بابتسامات وأجوبة مباشرة كما الأسئلة تماما.

لكن محاولاتك للتماسك قاربت أن تنتهي إلى الفشل حين سألك المحقق عن زمن اكتشافك لمثليتك وماهيتها، هنا وبعد أن بدأت بالإجابة وجدت نفسك وكأنك تغادر الغرفة لتعود إلى سني ذلك المراهق الصغير الذي بدأ يحس بعاطفة لم يفهمها تجاه الرجال، حاجة إلى الحضن من رجل، إلى البقاء بقرب رجل، إلى تأمل الرجال الجميلين، إلى اشتياق الكثيرين منهم، عاطفة فاجأته حتى قبل أن يدري أن هنالك مثلية و مثليون في هذا العالم، حاول مرارا أن يسأل عنها الآخرين، أن يستفسر منهم عن ماهيتها، أن يساعده أحدهم على فهمها، لكنه لم يجد ولم يجرؤ، فتعلم من يومها الخوف منها وعليها وانسحب منها إلى غرفة صغيرة ظل يلازمها سنين طويلة مبعدا عن نفسه شبح المخاوف والشكوك خاصة بعد أن قرأ لاحقا في يوم خريفي في كتاب ديني مدرسي عن قوم لوط وما ينتظرهم من عقاب رهيب في الدنيا والآخرة.

بعد هذا السؤال والإجابة عنه بات أن تتمالك نفسك تحدي مر، لكن لا خيار لديك فأسئلة المحقق تتوالى دون هوادة وكأنه يخاطب روبوتا وليس بشرا، وكل طريقته في طرح الأسئلة تتراوح بين القسوة والتشكيك، لذا انتقل لاحقا ليسأل كيف يمكن للواحد أن يبقى مثليا في مدينة مسلمة محافظة كمثل حلب؟ مرة جديدة جاءني السؤال من خارج كل ما فكرت به قبلا وتحضرت له؛ فالواحد يبقى هناك مثليا بالسر والكتمان والمدارة ومراقبة النفس والآخرين، وبالحرمان أيضا، وبصون المثلية هذه برمش العيون، فأي خطأ مهما كان صغيرا قد يودي بك، لكن كل ذلك لن يجعلك غيريا، ستظل مثليا وستظل تحاول جهدك أن تصون نفسك ومثليتك ما استطعت.

مع كل سؤال جديد من المحقق تعود إلى ذات الفترة التي عليك استنطاقها وظروفها لتتمكن من الإجابة على السؤال، فترة المراهقة الأقسى التي كونتك كما أنت عليه الآن ولربما لم تبدأ بتجاوزها إلا هنا في هولندا وصحبة أصدقائك الهولنديين التي ظللت حتى زمن بعيد من إخبارهم بمثليتك تخشى النظر في عيون الرجال منهم، ولا تأمن حقا أنك لن تتعرض للنبذ أو الأذى، فكيف حين يسألك المحقق عن تجربتك الجنسية الأولى، وعن الأمكنة والأزمنة التي سهلت أن تحصل فيها اتصالا جنسيا ما وأن تبقى في مأمن أو دون أذية؟ المراهق الصغير الذي يحاول الإجابة على أسئلة المحقق انكمش إلى أقل بكثير من سترته البنية الصوفية التي تشبه لون عينيه وراح يسرد عن رفيق المراهقة القلقة وكل لحظات الجنس الشبه سنوية العابرة والتي تصوم بعدها عن المخاطرة لسنة تالية أو أكثر ربما.

في انتظارك الطويل لمحاميك في يومك الخامس والأخير هذا تقرأ على نفسك كل هذه الأسئلة والأجوبة التي كانت مدار التحقيق وتدقيقه في الأيام الأربعة الماضية، وأنت راض عن نفسك وعن تلاوتها على هذا النحو كما لم تتجرأ قبلا، لكن على الخامسة عصرا وما أن يبدأ محاميك بقراءة أجوبتك للمحققين لتدقيقها تنقلب مشاعرك كليا، فالمحامي وصحبة ابتسامة خبيثة يقرأ من مقدمة المحققين أنك كنت عاطفيا جدا أثناء التحقيق، حين سمعت جملته الباردة شعرت بالخسارة، فقد بذلت جهدا كبيرا أثناء التحقيق لتتمالك نفسك ولتبقيها قيد تحكمك أو هكذا كنت تظن، لكن عيناك أخبرتا كل شيء على ما يبدو.

حين بدأت بسماع قصتك وأجوبتك للمحققين على لسان المحامي البارد شعرت بالعري، أردت أن تطلب من المحامي ومترجمه التوقف عن تلاوة الأجوبة، أردت صم أذنيك، أردت الهروب من الغرفة، أردت الصراخ بهذا كله، لكنك لا تستطيع فعل أي شيء من ذلك، فقط اختنقت بكل ما يتلوه وأملت رأسك أرضا ورحت توافقه على كل ما يدققه فقد أضعت كل خصوصيتك مرة وإلى الأبد، وباتت في متناول الآخرين وبرودهم وتشكيكهم.

في انتظار الباص الذي سيعيدني إلى مخيم درونتن وبعد أن غادرت غرفة المحامي كمتهم تم دمغه بتهمة المثلية التي أخفاها كل هذه السنين، وعاش لأجلها الخوف والتهديد مرارا، رغم أنه لم يكن مسؤولا عنها، دخلت حمامات مركز التحقيق، ورحت تشهق باكيا باختناق عن عمرك كله، كل صنوف الألم والنبذ في الشرق لم تدفعك إلى مثل هذا البكاء الخانق، ونادما أنك حولت مثليتي موضوعا للجوء، وبدا لك أنه كان من الأهون أن تقتل في الشرق في لحظة، على أن تتعرى جوانيتك أمام الآخرين هنا على هذا النحو المهين.

بعد كل هذه الانتظارات وهذا التحقيق نلت حق الإقامة في هولندا، لكن بقيت أيضا ولأكثر من عشرة شهور في ظروف صعبة في مخيم درونتن منتظرا منزلك في زفولا، والآن في منزلك هذا تنتظر أن تعيش مثليتك على نحو مرض، التحقيق القاسي هذا لم يساعدك مباشرة لتأمن زمنك وناسه، لكنه منحك في النهاية فرصة لتعيش السلام والحرية لأول مرة في حياتك!

Advertisements