اسطنبول حين تخلق في إمستردام… / حازم درويش

أنا وأنت على رصيف محطة قطار

| حازم درويش |

لطالما كنت صديقا للقطارات ومحطاتها، خاصة هذه القطارات الصفراء الأليفة المخططة بالأزرق، والتي أتنقل بواسطتها إلى تجارب وحيوات مفتوحة ومنوعة، لكن بالأمس وعلى أني لم أكن متنقلا بل منتظرا ومودعا انتقلت من صداقة هذه القطارات إلى الوقوع في حبها، فهي بداية من نقلتك من مدينتك إلي، وعلى رصيفها بعد ساعات ودعتك بقبلة وتلويحة يد دافئة وكأننا في فيلم إيطالي بالأبيض والأسود.

بين مصافحة اللقاء وتلويحة الوداع قطار ومحطة ومدينة أليفة ودراجة مركونة على الرصيف وفناجين قهوة ومطر وناس ذاهلون منا وأنا وأنت، أو بالحقيقة الكثير مني ومنك، الكثير الجزيل مننا، كنا وكأننا كتاب لا أقل ولا أكثر، نتفحص العنوان، نقرأ الإهداء، نتلمس الأوراق والحروف، ننصت قلبيا إلى الكلمات، ثم نضيع وننسى أنفسنا وقد صرنا في وسط الرواية التي يتلوها كتابنا بنا وعلينا.

الكثير من المطر ونحن نجلس على مقهى بكراس حمراء على الرصيف لم يبللنا، وحدها ربما سترتك الخمرية فعلت، كانت أشبه بتعويذة للغرق أو على الأدق مفتاح لأبواب كثيرة أغلقتها على نفسي منذ زمن طويل.

تبادلنا اللغات والفناجين وقطع البسكويت المملح، لم نتناول شيئا حلوا، لكن كل شيء كان يقطر سكرا، هذا لا يقف هنا على سبيل تعبير مبتذل للمبالغة، لكنه كان كما ذكرته، ولن أهرب من ذكره كما كان.

الماء الذي ينزل من السماء، الماء الذي يسير نهرا في شوارع المدينة، أجراس الكنائس الدافئة، وتفاصيل عن اسطنبول وأتاتورك وحلب والسميت التركي وجوجل ترانسليت يحسن لغتك الانكليزية ويرد لي ذاكرة لغتي التركية، ونحن وحدنا والآخرون سعداء بنا، كنت ولربما أنت أيضا كلما نظرت في وجه أحدهم في الطريق رأيته يبتسم لنا، أو عما قليل يأتي  ليصافحنا.

أيادينا التي تشابكت في لحظة خارج الأزمنة كلها، حملت البوسفور كله من اسطنبول إلى أمستردام، روضنا ماضينا الخائف وكنا هنا كما انتظرنا أعمارا طويلة، لا أحد هنا سيفه هذا الذي محاوله، لكن ليس علينا أن نصبح هولنديين فقط لتنتقم من ماضينا المثلي الصعب في الشرق، كنا شرقيين جميلين كوردة على أذن فتاة تتقافز في باحة بيت عتيق في حلب أو اسطنبول، كنا دافئين كسترة صوف تحيكها جدة لطيفة في الأناضول.

أبدو مجنونا كليا لأصل بك ومعك إلى هذا كله ونحن لازلنا نتلمس أولى خطواتنا، لكن هذا يحدث على النحو إياه أو لا يحدث أبدا، ولأنني لزمن طويل صليت ليأتيني كما عشته بالأمس فقد أتاني كما صليت وأكثر، لأن من آمن صدق، ومن صدق وصل.

اليوم وأنت في مدينتك القريبة وأنا على دراجتي متنقلا في مدينتي صادفتك في كل الأمكنة التي جلسنا ومشينا فيها بالأمس، هذا شيء قليل عليه بأن يوصف بالجمال بأية لغة، شيء يشبه أن تقضم قلبا محلى بالسكر، لاحقا قد يتحول إلى مرار، لا أدري، لا أحد يدري، لكني أستطيع الهرب من عيشه وقضمه كما هو الآن حلوا يذيب الروح ويصالح كل هذا الكون مع نفسه. حلوا كقبلة ونظرة وتلويحة دافئة على رصيف مزدحم لمحطة  قطار أليفة وعلى حدود قلبين يذوبان الآن سكر المحبة قطرا في قلب واحد!

Advertisements