بين الشرق والغرب، بالدم حينا وبالقُبل أحيانا…/ حازم درويش

محاولة لتفكيك الأوهام المثلية عن الحرية والحب والجنس!

| حازم درويش|

منذ أن يعي الواحد منا نفسه مثليا في شرقنا خلف المتوسط، حتى  يبدأ يفكر أو على الأقل يحلم بالهرب بنفسه وبمثليته نحو الغرب، فهو هنا في بلاده المظلمة فكرا ورؤية يظل مكتوم النفس والهوية الجنسية؛ يمارسها سرا بين الحين والآخر خلف ستائر وأوقات ضيقة وعاتمة، ويحرس نفسه ومثليته هذه برمش العين، فأي خطأ سيؤدي إلى القيل والقال، وقد ينتهي بأن يخسر المثلي في نهايته حياته على الحقيقة التامة أو المجتزأة إما قتلا أو تشهيرا وطردا من جنة الأهل والناس “المستقيمين” الذين لا يشوبهم خلل أو هكذا يظنون.

لهذا كله أو لبعضه و كثير غيره مما تفجر لاحقا على هيئة داعش وأخواتها وظل لدهور كسكين رخوة تحت ستر بيضاء قد تسحب في كل حين لتردي ضعفاء المتن أو هامشيه في برك دم حمراء أو ملونة لا تبكي أحدا ولا تستدعي حتى جنازة، لهذا كله تروح الجنة الأوروبية تتشكل على مر سنوات في وعي المثلي ونضجه خشبة خلاصه الوحيدة التي سينجو بها من هذا الغرق كله.

فهناك في تلك الجنة سيكون ما يهوى وما يشاء، بل سيكون مميزا ومبدى على الآخرين تبعا لهويته الجنسية التي ستنقلب ما أن يهرب بها من الهنا إلى الهناك من نقمة إلى نعمة أو هكذا يخيل إليه، وهناك أيضا سيحب وقد يتزوج ويتبنى أطفالا، وسيضع مثليته المؤلمة كوشم على جبينه، سيفتخر بها ويحبها ونفسه كما لم يعرف ولم يفعل يوما!

خيالات كثيرة سيحسبها المثلي واقع آت لامحالة ما أن يرمي بنفسه ليتشبث بخشبة النجاة هذه، خيالات   لا يسندها إلا قليل من قوانين معلنة ومظاهرات الفخر المثلية هناك وهناك في هذا العالم الواسع، هي خيالات كافية لتزيد من بؤس الحياة التي يعيشها المثلي في الشرق من جهة، لكنها أيضا تعينه على تحملها ولو على سبيل انتظار ما قد لا يأتي من جهة أخرى.

لسنوات قبل أن تشتد هذه الحروب كلها في بلداننا النائمة الآن على غير احتمال ليقظة في يوم قريب طرق مثليون كثر سرا أبواب سفارات كثيرة روج وأشيع أنها قد تهرب بالمثلي إلى بلادها حنوا ورأفة عليه من أخطار محتملة أو مؤكدة على حياته، لكن محاولات هؤلاء المثليين باءت إلى فشل أقرب بالتشفي أو الفضيحة، فلا الشرق يريدهم على ما هم عليه ولا الغرب تحول جمعية إنسانية توزع على المثليين صكوك المواطنة والبراءة من الشرق وأهله وكأنهم لمجرد كونهم ولدوا مثليين باتوا غربيين بالفطرة، فقط قلة منهم ممن امتلكت أموال كافية لنيل تأشيرات مفتوحة أو مقيدة ركبت طائرة إلى الهناك الأوروبي غالبا في رحلة ذهاب دون عودة.

ومن البديهي مع اشتعال حروب الأهل في العراق بداية وفي سوريا لاحقا أن يكون المثليون في مقدمة الفئات التي هربت بنفسها إلى البلدان المجاورة، أولا لأن هذه الحروب فاقمت من وضع المثليين سوءا على سوء، وثانيا لأنها جاءتهم كفرصة ليرموا أنفسهم وهوياتهم الجنسانية القلقة هذه إلى الأمام ولو إلى اللامكان.

في بلدان الجوار هذه راحت أوضاع هؤلاء المثليين بداية تتغير إلى الأفضل، فهذه البلدان “لبنان بعض الشيء، وتركيا أكثره” أقل ضيقا بالمثليين وسلوكياتهم وأنماط حياتهم من بلدانهم، وإن مع المطالبة الناعمة بأن “أفعلوا ما تريدون، لكن لا داعي لإزعاجنا لا صوتا و لا صورة”. وأيضا هنا بات المثليون، اللاجئون كسواهم قانونا وتعريفا، بعيدين عن دائرة الأهل والشبهة كما هم قريبين من التعرف على أشخاص جدد وأنماط حياة مختلفة تماما عن الخيط الضيق الذي كبل حياتهم قبل لجوئهم وقد كاد يخنق رقابهم في مرات خطيرة كثيرة.

لكن لاحقا ستكتشف أن هذا كله كان أشبه بحلم ليلة صيف هندي لا يمكنهم ائتمان أنفسهم وهوياتهم الهاربة معه، فهذه البلدان لا تعترف بلجوئهم المثلي هذا وقد تردهم في أي حين إلى بلادهم المكروهة ذاكرة ومعنى، فلا حصانة قانونية ولا حتى أهلية أو أمنية، فهم ولأنهم ليسوا في النهاية سوى لاجئين بات استهدافهم سهلا على أي كان حتى على مثليين مثلهم من مواطني تلك البلدان، أما مقتلهم فخبر لن يزعج إلا بعض منظمات بائسة تعمل على مبدأ تبرئة الذمة وتعليق أوراق النعي ،  كما شهد سوريون كثر في رعب ودهشة مع مقتل مثلي سوري في اسطنبول في وضح النهار زمنا وتأويلا.

لذا عاد المثليون هؤلاء سريعا إلى مربعهم الأول، وتأكد لهم من جديد أن الغرب المتخيل منذ سنوات جنة المثليين وأرض ميعادهم هو الوحيد القادر على منحهم صكا مفتوحا بحياة آمنة لا خوفا عليهم فيها ولا هم يحزنون، فعاد بعضهم إلى تقديم طلباتهم إلى السفارات الأجنبية والمنظمات الأممية وانتظروا أدوارهم وتم نقلهم على دفعات إلى بلدان اللجوء الغربية بحجة المنظمات الإسلامية المتفرخة كل يوم في بلدانهم، أما بعضهم الآخر فلم ينتظر هذا الاحتمال ورمى نفسه بحرا مع الآخرين الكثيرين من أهله وإن اختلفت أسبابه عن أسبابهم، ووصل وجهته الغربية المشتهاة أمنا وسلاما منذ سنوات طوال معمدة بالألم والخوف.

في أرض جنته الغربية يبدأ المثلي الشرقي بإعلان هويته المثلية رويدا رويدا، بين أصدقائه الغربيين بداية، كما على مواقع التواصل الاجتماعي العامة أو تلك الخاصة بالمثليين، كما يتلقى من كل المنظمات الإجتماعية والحكومية المسؤولة عنه كما هائلا من المنشورات والمقابلات التي تعرفه بحقوقه التي بات يمتلكها هنا، وتطمئنه إلى أنه بات في مأمن من الأذى، وتدفعه للخروج من الخزانة كما يقال، وتقدم له صورة وردية عن كل ما يتعلق بالمثليين وحياتهم في بلد لجوئه الغربي الجديد. وفيما بعد سيبدأ بنفسه بالتعرف على الأجواء المثلية التي لطالما قرأ عنها وحلم بها؛ بارات خاصة وساونات وحفلات بأجواء تستحيل الجنة التي لطالما قرأ عنها في الكتب المقدسة فكرة مصغرة عم يشاهده أو يعيشه أحيانا.

لاحقا سيتبدى أن هذا كله أو بعضه وهم خالص، يعاش على سبيل الاحتفال لمرات،  لكنه لا يشبع جائعا ولا يرد غائبا، وهم يعيشه يوم بيوم ويفككه خطوة بخطوة، ففي هولندا مثلا، وهي بلد لجوء غالبية وازنة من المثليين، وعندما يخرج المثلي من دائرة أمستردام ولاهاي وبعض من أصدقائه الهولنديين الذي تقبلوا مثليته وشجعوه لإعلانها يروح يكتشف مدنا وقرى كاملة غارقة في الهوموفوبيا، لا من باب الدم والقتل بل من باب التحاشي والرفض، وليجد هولنديون مثليين كثر يعيشون في تقية، لأنهم ما أن يعلنوا مثليتهم سينبذون بادئ ذي بدء من دورة الثروة الوافرة التي تدور بين أيادي وفي جيوب أهاليهم. وغالبية المثليين في هذه المدن ممن اختاروا أن يكونوا كاملي المثلية إشهار ونمط حياة يلجؤون إلى العيش في أمستردام ومنهم من هو على قطيعة تامة مع أهله، أما من ناحية أوضاعهم الاقتصادية فهم دون باقي الفئات التي توازيهم تعلما وعملا لأنهم متروكون لأنفسهم وأعمالهم، والثروات هنا لا تتراكم إلا بشكل جماعي، لا بل يبدو الكثيرين منهم وبعيدا عن تلك الفئة المتسيدة إعلاما ونشرا وسلطة بين أمستردام ولاهاي من الفئات التي تعيش حول خط الكفاف أو فوقه بقليل.

لذا وما أن يتركوا على هذا النحو الذي يسمى حرية في البلد الأول الذي ابتدع زواج المثليين في العالم لن يبقى لهم إلا أن يغرقوا في إدمان الجنس و غيره من أنواع الإدمان  وتمضية الأيام بين البارات والساونات ونوادي التعري التي يقال ويظن أنها أوجدت لهم، لكنها في الحقيقة ليست إلا لتبييض أموال هائلة تدور خلف الكواليس لكبار أغنياء ومترفي البلد وليس المثليون إلا أداة لتشغيلها، كما أن هذا كله ضاما إليه ألوان قوس قزح وصور لشباب يقبلون بعضهم في مكان ما علنا مع بعض عبارات مبتذلة عن الحرية والتفاؤل والأمل يستحيل عاملا جاذبا لأموال مهولة لسياحة مزدهرة تدر على البلاد دخلا يسند ميزانيتها ويبعد عنها شبح ركود يتربص بكافة بلدان أوروبا.

وفي كل هذا يندر أن تجد هنا علاقة ثابتة بين شابين، فالجنس هنا يصبح قيمة بحد ذاته حتى ولو لم يؤد إلى شعور أو أي معنى، أما الزواج المروج عنه سياحيا وقيميا فلا يقدر عليه حقا إلا فئة نادرة من أغنياء المثليين، وتبني الأطفال يحتاج دون مبالغة ثروة مهولة ليست في جيوب المثليين ولا حتى هم قادرون على خسارتها إن امتلكوها يوما!

ويضاف إلى غرق المثليين هنا في علاقات عابرة سريعة قد لا تجاوز الدقائق الخمس أحيانا مما يبهر المثلي الشرقي في أرض جنته الموعودة طلب واسع على ممارسة الجنس من دون واقي  ذكري وتفشي رهيب لمرض الإيذر بين المثليين، فقد وصلت هذا العام نسبة المثليين الذين أصيبوا بالإيذر في هولندا مثلا نسبة إلى باقي الهولنديين 93 بالمئة فقط!

هذا كله يراقبه هذا المثلي اللاجئ دون أن يعيه أولا، أو يعيه ولكنه لا يريد أن يصدقه، فمن له قدرة على تحمل تفكيك وهم عاش به ولأجله سنوات طوال؟! لكن وبعد أن يمارسه كيفما اتفق، كما هم ممارسوه، أقل أو أكثر، سيغدو لا مفر من أن يعيشه كما هو، وأن يعترف به لنفسه على الأقل.

فمنطق الجنس وأسلوبه وأحاسيسه كلها هنا تروح تختلف، ويذهب الواحد من المثليين في كل لقاء جديد يفكك وهما جديدا، فإلى تركيز المثليين الغربيين هنا على النيك البارد، وإن ظنوه ساخنا،  مع وافرة ساحقة في من يصنفون تحت بند “البوتوم”، يفقد النيك هنا كما يطلبونه آليا وميتا كل شهوانيته وألقه إذا جاز القول، لتبدو مشاعرهم وأجسادهم وكأنها مقيدة بسلاسل لا يريدون الفكاك منها. وإذا ما شئنا مقارنة هذا الجنس الذي يمارس هنا بما عاشه المثلي اللاجئ مع الأتراك مثلا لا حصرا يتبدى فرق هائل، فالأتراك وشرقيون كثر لا يصلون إلى النيك إلا بعد إنهاك الجسد، أجسادهم وأجساد الذين معهم، مع شهوة مستميتة إلى التقبيل وفهم وتقديس لكل قطعة في الجسد ولكل تفصيل في الجنس. أما هنا، فهيا، تعال انكحني بقوة، مع السلامةّ!

أما النظافة والرقي الذي يتبدى في شوارع المدن الهولندية مثالا فلا يترجم على أجساد الهولنديين مع الأسف، لا خارجا ولا داخلا، إلا من رحم ربي! لتصل بالشرقي هذا إلى طلب النظافة منه كل منهم قبل كل موعد مهما تبدى له في البار أو على الرصيف أنيقا ومرتبا، فهنا يفقد الواحد منهم ثلث سحره ما أن يخلع ملابسه، والثلث الآخر ما أن يلمسك، وعليك أن تصرف لقاءكما وشهوتك بما تبقى لك من ثلث!

أما أشد القصص إيلاما لهذا المثلي اللاجئ الذي عاش حياته غريبا،  فهي  في أنه لن يجد من يخرج للمواعدة معه مهما كان وسيما إلا المتقدمين في العمر، أو سيقضي الوقت متنقلا بين من  ينظرون إليه آلة للنيك من الشباب، وكأنه قطع كل هذه المسافات ليعمل ناكحا مرة أو اثنتين لشبان لا يتعرفهم إلا في أجواء مظلمة، كما لو أنه لم يغادر شرقه أبدا!

غالبا سيتوقف هذا اللاجئ المثلي لاحقا عن كل هذا الذي يعيشه ويمارسه ليشعر نفسه أنه حقا في الجنة التي تخيلها وانتظرها طويلا، ولينتقم لنفسه ولمثليته عن كل هذه الغربة وهذا الألم شرقا وغربا وبين البين. وبعيدا عن الانخراط في دعارة معلنة أو مقنعة مع كهول المثليين الأوربيين، لا يبقى لهذا اللاجئ المثلي، وهو ما يتمكنه ويتعلم حتميته كثيرون هنا تباعا، إلا أن يعيش مثليته في بلد القانون والحريات والحقوق المثلية مع لاجئ مثلي شرقي هارب  مثله هو الآخر، يشاركه نفس الحاجات الجسدية والنفسية، كما الغربة، كما لغتي الجنس أو الحب.

في أخبار الأيام الماضية بين شرق وغرب،  احتفاء بإقرار ألمانيا لزواج المثليين وتنكيل بقمع تظاهرة الفخر المثلية في اسطنبول، في الاحتفاء وفي التنكيل حق يراد به باطل، وصفقات وسياسات وأوهام تباع وتشترى، والحقيقة الغائبة أن المثليين ليسوا في مبتدأ الجملة الإسمية غربا ليكونوا في خبرها شرقا!

 

 

Advertisements