في أن يحب الواحد منا نفسه في الرابعة والثلاثين!/ حازم درويش

| حازم درويش |

 | الصورة من وكالة هافنتجتون بوست |

بعض الأشياء تتأخر، لكنها تأتي…

تمرر يدك اليسرى على جبيني وعلى حواف الذقن التي تحدد ملامح وجهي وتقول لي بهولندية ثقيلة وأنا ملق رأسي على يدك اليمنى وعرينا يحاول لملمة لهاثنا النهم منذ مايقارب الأربع ساعات إلى الآن: أنت جميل، جميل جدا! لا أرد على كلماتك هذه، فقط تتسع حدقتا عيناي وتدوران بين سقف الغرفة ووجهك، يفاجئك أني لم أجبك ولو حتى بقبلة، أنا الذي أبلغتك قبل أن نلتقي أنني أحب الكلام أثناء الجنس وبعده وأني إن لم أحصل هذا الكلام على هيئة من يضع وردا نديا في مزهرية عتيقة فإني لا أهتم لا للجنس ولا لمن أمارسه معه كائنا من كان، فالنشوة تأتيني مما هو تحت الجنس، مما هو فوق الجنس، أما الجنس نفسه فليس أمر ذا بال، الجنس الذي يركض أبناء جلدتك وراءه سهل المنال، يكفي أن أزيح ستارة الغمز أو اللمز من حولي في أي مكان وزمان لأحصل عليه.

تعيد الجملة مرة أخرى وأصابعك الهادئة تواصل تنقلها بين وجهي وصدري، وحين لا أرد مجددا تسألني إن لم أسمع هذه الجملة قبلا، إن لم يكن أحد قد قالها لي بأي لغة، فأجيبك ب”لا”! لم يقلها لي أحد، ولا أنا حسبت نفسي يوما على هذا القدر أو ذاك من الجمال، بل لطالما مقتت نفسي داخلها وخارجها ولمتها على ماهي عليه واشتهيت لها محبتي ومحبة الآخرين لترتاح وتريح ولو على سبيل الفكرة وسردها.

وحين تستغرب، وجسدي يرتعش من لسعة برد خفيف، أرمي رأسي على صدرك وألتحف بالغطاء الأزرق الخفيف الذي رميناه تحت أقدامنا، وأروح أسرد لك كيف يكون الواحد منا مثليا في شرقنا البائس، كيف يتعرف إلى مثليته، ويخاف منها وعليها وعلى نفسه، كيف يشكك بكل الذي يجري ويقال وينمو حوله، كيف يكره نفسه أحيانا، كيف يرفضها، كيف يحاول تلافيها، كيف وكيف وكيف…وحين تبوء كل محاولاته الصامتة الخانقة إلى لاشيء يروح يحب أن يكره نفسه، يتعود ذلك، ويروح يرمي نفسه المكروهة بين أياد تلعب به وبهذه النفس فقط بحثا عن أي معنى ومغزى لكل هذه الهوية المثلية التي يحملها، فقط بحثا عن طوق نجاة من هذا الغرق الذي لم يتوقف ولم يتبد لمحيطه من قعر ما منذ أن وجدت نفسك ذات صيف مبللا بمائه. لكن تلك الأيادي إياها لا تفعل إلا أن تحيل الكره إياه لعبة مرايا مقعرة؛ فالكل هنـا/ هناك كاره لنفسه ويسائلها ويلومها ويدميها، وليس له أن ينتقم من هذه الدوامة إلا بتكريه المثليين الآخرين حياتهم وذواتهم، فيروح الواحد منا ذلك الحين ينظر إلى الشمس فيرى نفسه طفلا مرميا في المقعد الأخير من الصف، كل الطلاب يأخذون الحلوى والجوائز والقبلات، وهو بشعر أجعد وسترة متسخة، يفتش عن يد تشد على يده ليقطع الرصيف إلى البيت فلا يجد، فيروح يقفز عن حائط المدرسة قبل نهاية الداوم ثم يقفز عن كل الأشياء ويهرب من كل الأشياء حتى من نفسه، فيكرهها ويواصل رميها كفتات خبز لنوارس لئيمة تجعله يكرهها أكثر.

منبهرا بما أسرده لك ومحاولا أن تفهم معانيه كلها أو بعضها، تشدني إلى صدرك وتعيد علي أنني جميل، ومؤسف أنني لم أعرف ذلك منذ البداية، وحين أروح أشتم تلك السنين تخبرني على سبيل المواساة أو الحقيقة أن كل تلك السنوات البيضاء السوداء هي من جعلتك جميلا على هذا النحو  أو إلى  هذا الحد.

أتنهد بتثاقل بين يديك وأغمض عيني وأتذكر الآن كيف أني لطالما حسبت نفسي أقل من الجميع، كل الجميع، لكن ما أن صرت نفسي في هذه البلاد وبأيد ممدودة من بعض أهلها حتى رحت أراني جميلا في أعين كثيرين، وفي كل مرة أفاجأ أكثر، وأتعلم أكثر، وأحاول ترويض نفسي القاسية وتربيتها ما أعانتني أيامي، وما استطعت إلى ذلك سبيلا!

Advertisements