كسر القلب الذي لا يُجبر!/ حازم درويش

| حازم درويش|

| اللوحة: بسام الإمام -فنان سوري- 4years trip |

ينكسر البرتقال الذي في لون شمس عصر هذا النهار مستحيلا أصفرا باهتا من زمان كان فيه الواحد إذا رمى نفسه ممددا على أرجوحة بيت الجدة طيره الهوى أو يدي أحد من الحاضرين الكثر الذين ما فتئوا يستظلون بيت الجدة وأيامه ليجبروا كسورا في القلب ككسر هذه البرتقالي وأدهى وأمر.

ينكسر البرتقال هكذا فتتذكر أنك تأخرت على موعد العشاء، لكن ما هم وأنت وحيد، لا ينتظرك أحد لتأكل ولا تنتظر آخرين ولا من يحزنون، تقوم ملقيا عنك كتب اللغة الهولندية التي تدرسها على مضض شديد اليوم، وتذهب لتسخن ما طبخته وتبقى من طعام الأمس.

تشغل موسيقا في المطبخ علك تسمع أصوت، أصوات كأنها لأناس يأتون ويذهبون من حولك ملحين في المساعدة أو في استعجال الطعام، تسمع الأصوات هذه كلها لكنك لا تفهمها، لكنك تريد الاصغاء إليها ما استطعت وأكثر علها تكتم ذلك الصوت الذي ينخر عقلك ويقول لك: أنت وحيد، يا لخبيتك كم أنت وحيد، طيلة عمرك كنت وحيدا ولازلت، كل ما فعلته وتحملته وهربت منه وإليه لم يغير من حالك شيئا، وكل هذا لأنك نمت بعد ظهيرة صيف بعيد هناك في شرقك البائس لتستيقظ وتجد نفسك مثليا! ما أمر أنك كذلك، تأتي لتبكي، تسند يديك إلى المجلى وتمسك نفسك، تعرف تماما أنك إذا بكيت انتهيت إلى الأدهى والأمر من هذا المر كله.

تحمل طعامك إلى طاولة طويلة لن يجلس عليها أحد سواك، وتغير الموسيقا إلى مسلسل قديم، الممثلون سيتناولون الطعام معك، لن تكون وحيدا، تروح الأصوات تدور في الرأس من جديد، تأكل لقمة، لقمتين، وتقلب نظرك في منزلك من حولك، المنزل جميل، جميل ونظيف إلى حد يجرح القلب، النباتات زاهية ملونة، والشمس الراحلة تودعه بخفة لا تماثلها إلا خفة رائحة وليد صغير في حضن أم حزينة.

تضع لقمتك الثالثة في فمك وتمضغها على مهل، أصوات المسلسل لم تعد كافية لإسكات الصوت القادم من رأسك، أنت وحيد! وحيد كنت وستظل وكل هذا لأنك مثلي، ما أن تسمع هذه الجملة حتى تبكي، تبكي على مفرش طاولة الطعام، وتفكر بأحد، بنصف أحد، يستطيع أن يسمعك، أن يمد يده إليك، أن يعينك على هذه الوحدة المرة كلها.

تفكر في أحد ما على الطاولة أمامك، تفكر في الخسارات التي ارتكبتها لأنك ما أنت عليه، تفكر في الليل الآتي، في ليمون لون الشمس وبرتقالها، في ترجمة جملة أن “قلبي يبس” من العامية إلى الهولندية لترسلها إلى صديقتك الهولندية التي ما من سواها أحد يسمعك.

تفكر في هذا كله ورأسك مرمي إلى الطاولة، والأزرق الذي يملأ بيتك يتأملك، تغمض عيناك، وتمسح يدك على قلبك عله يهدأ، وتسيل حبر الذاكرة والوحشة على هذا اليوم، وتنام.

Advertisements