رهاب صالون الحلاقة / يحيى القوزي

| يحيى القوزي |

مللت من رؤية سريري الفارغ خاليا منك.

 تفاصيلك تبان على وجهي، التفاصيل، تتكرر، تهذي، ترتعش، تصمت، تدخل في غيبوبة مؤقّته، لا تتكلّم التفاصيل، تعتنقني، ترتشفني، تنمو في جوفي.

إنتظرت للعودة إلى سريري الذي إعتاد أن أنكحه بكل ما أوتيت به من رفض لهيجاني الحيوانيّ، تلاقيني ورقة تحت السرير بعد ولوجي، أجلس في سروالي الداخليّ مع كأس تيكيلا وسيجارة أشعلتها لأغوص بدخان تغرورق عيناه بالضوء.

  من أجمل الأشياء بعد الغناء الصامت، الدندنة.

ثم أحمل جسدي على كفتي للذهاب إلى الحلاّق بعدما تذمّر أكثر من مريض في عيادتي من طول لحيتي. هناك هالة من النفور تعتري كل الملتحين إجمالا في الشرق الأوسط. إمّا أن تكن كثير التديّن أو متشبّثا بأيقونة راديكالية من الشرق الأدنى. لا يمكنك أن تكون ملتحيا لمجرد أنكّ ملتحي، هم لا يعرفون أنّ اللحية عضوا من أعضائك الجنسية، الأسباب تتكاثر في عقولهم أكثر عندما تقترب من صدر أحدهم لتسمع دقّات قلبه أو صوت بوحه ، تنقشع اكثر تفاصيلها ورائحة شجر الصنوبر، هي تصبح الفيل في الغرفة التي غلّفت جدرانها معظم مآسيهم وآلامهم الجسديّة التي يذرفونها.

أصِل إلى حلاّقي الذي إختار أن يعانقني دون مقدّمات ودون أي مقابل.

جميل العناق دون مقدّمات. جميلة هي القبل العشوائيّةـ  غير المتوقّعة، تسري في الفراغ من جسد لا تعرفه إلى فراغ بداخلك تملؤه بفيضٍ غزير من الكرم. كلّ هذا ليس مشروطاً، أن تجد من يعطيك كلّ ما عنده دون أن يتوقّع منك أن تكون كريماً أو تحمل شرطا معيّن.

 علاقتي بالحلاّق سطحيّة كعلاقة الدبب القطبية بزائري أنتاركتيكا .فعندما تزداد الطرائف التي يطلقها من حَولي عن ماركس اهرب إلى جزّاري الذي يقلّم هبوبي الجنسي. وفي مؤخرة رأسي حقبة زمنية انتظرها تسمح لي بأن أصبح جنسبرغ آخر.

تعجبني طريقة تجذيب شعر زبائنه المتزايدين في محلّه القديم ببلاطه المزخرف وأدواته العتيقة و مرآته التي يجتاحها بعض الصدأ. هو يعبد الشعر عندما يقصّه بإحتراف. يرتخي زبونه دون تذمّت. يمرّر أطراف أصابعه بمداعبة حميمة للّحية . الآن جاء دور “العريس” الذي حرص المجيئ باكرا “لتحضير نفسه” لباقي الطقوس!

يتكلّم الزبائن عن ليلة عرسهم الأولى في زحمة انتظاري:

– اي تسلّا هني اول كم نهار وبعدين بتصير مملّة القصّة

-ولو شو بنا! رح تفكسولو ياها للعريس، شو بدك فيهن عمّي ، طالما عم تبسطها للمرا طالما هي بتدللك و بتصير خدّامة تحت إجريك

أبو رائد من آخر الصالون :

  • أهم شي السترة يا ابني، عمرك ما تأمن لمرا، بتضلك فوق راسها عطول بتحفظ كرامتك قدام أهلك و بتسكّت أهلها

يحمرّ وجه العريس، لا يكترث لضجيجهم، تراوده فكرة الليلة الأولى معها. قصص غشاء البكارة توسوسه، تنتابه كل الإحتمالات السيئة.

– عمي بالأول ما تخاف القصّه بدها شوية شدّ، بدك تبيضلنا وجنا

– اي خليك فحل ابضاي، بالأول بتلاقيها مستحيّه وشادّة. وحياتك بتصير بتموت عبيضاتك

– والنيكة ازا طلعت مفتوحه يا معلّم. هون راحت عليه للصبي

هم تنتفخ قضبانهم رغم كبر سنّهم، رغم رشد أولادهم و عدد النساء اللواتي حرقنهنّ، وهو يركزّ على رهاب اللّيلة الأولى.

وفي صالون العفّة لا تستغرب ما تغزله مخيّلة الشيوخ عن  الملتحفات في الشارع.

ينتهي العريس من تصفيف شعره وحلق ذقنه، يرتبك أكثر و هو يقترب إلى النهاية، يبتسم ولا يبتسم، يصافح حلاّقي الذي إخترته منذ خمسة أشهر بعد خيانتي لحلاّق الطفولة لأنه لا يعرف كيف يقصّ قصّة “البرينستون” ( أيضا تعرف بالهارفارد كليب/ الآيفي ليغ)، عدا عن أنه أصلع.

“تفضّل حكيم” تستمرّ التيكيلا في الغوص ككل مرة يقررون أن أقصّ جزء مني، كبدي ينتشي، يطلق إسمي، حان دوري، الخراف تنتظر أدوارها..

أجلس على كرسي الإعتراف، رهاب صالون الحلاقة لن يفارقني “تونسوروفوبيا”. يتحدّثون في الخلف عن خلفيّة جينيفر لوبيز التي قدّرت ب 250 مليون دولار، ” متل العادة؟” يسألني الحلّاق؟ ” اي عادي، شويّ عالجوانب والدقن قصّها متل ما بتحسّ مناسب”. ينطلق صوت مكينة الحلاقة من اللامكان، يتكررـ يتسارع، يتزايدـ يعلو – يقترب-يقبّلني، ينفخ في أذني، يرقص؛ الصوت الرّاقص، يلبسني وألبسه، يستهلك مكاني، يرتاد سريري، صوت يعلو و يتكررـ يستمني داخل لحيتي ـ يجتاح مكتبتي، يمزّق كتبي ـ صوتٌ له طعمُ التاكيلا. لا يتعدّى عليّ ـ يجب ان يكونوا سعداء بما اسمع ـ بما أشعر- بما أرى، صوتٌ يصرخ بطلاقة ولا يسمعه سوى أناني الذي أجده يلامس جاكيتة الصوت الجلديّة السوداءـ و يقتلعه من العدم. ويصادفني أهمس بأذن أناني ليتوقّف لكنّه يسحبه إلى سريري، و نمضي ما تبقّى من وقت الحلاقة أنا و الصوت و أناني الذي تبخّر منّي وقطَّرني بين ذراع الأغاني. ثلاثيّة المرح المتقاتل، الإيمان بالأشياء المستحيلة يغدو ممكنا عندما ترحل جميع الشخصيّات و الورود من لحيتك و تصبحَ أنت هو الشخص الوحيد الذي تتحكّم به الأصوات والصوَر.

و يصرخ صوتهم يضحكون على ميريل ستريب و تجاعيدها التي لا تشبه زوجاتهم، ولوهلة في خوفي المنتشي أغفو. بلا صوت. بلا نفسي.موت مؤقّت لا يكترث لنهايتي واعتراف يهذي في سقف غرفتي؛ ستنمو مجددا ولن يلاحظها الليبراليون.ِ تنطفئ ماكينة الحلاقة.

أن تدفع المال لشخص كي يقصّ لك شعرك ولحيتك ليس أمرا منطقيّا حتّى.

يحضنني الحلاّق، يعلم كم سماء سأهبط بعد فعلته هذه ، حضن آخر ليس كحضن يوسف.

Advertisements