أتعرى أنا وحياتي لأثبت أني مثلي!/ حازم درويش

|حازم درويش|

لا يتعلم الواحد منا منذ وصوله إلى هولندا شيئا كما يتعلم الانتظار، انتظار محطات تساعده على تجاوز حياته السابقة التي هرب مهددا منها، وانتظار بدء حياته الجديدة التي سعى إلى طلب السلام فيها هنا.

لكن من بين كل تلك الانتظارات يرسخ في البال كصوت ناقوس لكنيسة عتيقة، ذلك الانتظار الأقسى في اليوم الخامس من  أيام التحقيق بغرض نيل الإقامة في مبنى شعبة شؤون الأجانب لدى وزارة العدل الهولندية في تير أبيل. كنت تنتظر محاميك منذ السابعة صباحا ليدقق لك الاجابات التي تلوتها على المحققين في الأيام الماضية، لكن موعد مقابلتك لم يأتيك حتى الخامسة مساء.

خلال ساعات الانتظار الطويلة هذه، كنت تستعيد في ذهنك كل الأسئلة والأجوبة التي دارت بينك وبين محققيك في مقابلتي التحقيق ، وتشعر أنك ربحت على نفسك ومخاوفك. أشهر طويلة قبل هذا الموعد وأنت غير واثق أنك ستستطيع فتح حياتك ونفسك على أحد، أنت الذي عشت في قمقم صغير طيلة عمرك.

لكن على مدى تلك الأشهر ستمرن نفسك صحبة صديقتك الهولندية وتشجيعها على فتح ماضيك، وعلى البوح، وعلى الاعتراف أنك مثلي دون أن تخشى من أن تطعن على غفلة أو أن تنبذ ككلب أجرب. لذا ورغم أنك وجدت صعوبة في تقبل بعض الأسئلة، ورحت مع أحدها الذي جاء على هيئة امتحان مر ومخز لمثليتك تحاول حبس دموعك أمام المحققين، وتفشل في ذلك، وتفكر: هل يعقل أن مثليتك ستبقى تهمة ضدك في كل مكان حتى يثبت العكس؛ في الشرق تنبذ على أساسها، وفي الغرب تمتحن بقسوة من أجل أن تتمكن من العيش بسلام معها؟!

أكاد أفهم هذه الأسئلة كلها وأسبابها، خاصة وأني كنت أشاهد أمام عيني في مخيم درونتن شبان غيريين كثر، بل وحتى من الكارهين للمثليين، و بعد رفض طلبات لجوئهم أو حتى قبلها، يغيرون في هيئاتهم،  مع الشعر الملون والأساور والوشوم قبل موعد التحقيق ليقدموا طلبات لجوئهم على أساس أنهم مثليون بعد أن سمعوا الكثير عن سهولة قبول طلبات لجوء المثليين. طبعا من دون أن يدور في خلدهم أن المثلية ليست شيئا يرتديها الواحد وطقوسها ليلا ويخلعها نهارا،  وأنها امتحان مر للقدرة على العيش بسلام في الشرق وحتى في الغرب.

كانوا ينظرون إلى الأمر على أنه صفقة رابحة وعليهم استغلالهم، والكثيرون منهم راحوا يقترحون علي أن أفعل مثلهم لتسريع طلب لجوئي وقبوله، من غير أن يعرفوا أني حقا مثلي، وأني وجدت الأمر في نفسي مقررا حتى من قبل أن أعي معنى وجودي في هذا العالم على الحقيقة، وأني دفعت سنينا طويلة من عمري في صحبة الخوف والتهديد ولم أستطع لا تغيير هويتي ولا المتاجرة بها.

تصرفهم الوصولي الدنيء هذا مرات كثيرة سيجعلني أشعر بالخزي والأسى؛  فهم في الشرق كارهون للمثليين، أو في أحسن الأحوال لا يفكرون بهم إلا كآلة جيدة للنيك، وهنا في الغرب يستغلون الأمر ويلبسونه أنفسهم فقط لأنه بات مناسبا لهم،  وسيدر عليهم ربحا صافيا.

لكن ماذا لو كانوا مثليين على الحقيقة، هل سيتمكنون حقا من المتاجرة بمثليتهم؟ شهور طويلة بعد أن أعلنت هويتي المثلية لأصدقاء هولنديين مرغما، وأنا لم أكن اجرؤ على النظر في عيونهم، الرجال منهم خاصة؛  فلم أتمكن رغم تأكيدهم ودعمهم من أن أثق أنهم حقا لا يملكون مشكلة مع هويتي، وأني لن أعنف أو أطرد بعد قليل من منزلهم لأجل هذ الهوية.

حين بدأت مقابلة المحامي على الخامسة صحبة المترجم اللبناني، كان الأمر مريحا قليلا، فخوفي من المترجمين العرب لم يتبدد، لكن اللبنانيين هم أقل الشعوب المشرقية كرها للمثليين. كنت كمن يمشي في غابة قطبية وحيدا، أتحسب كل شيء،  من قبل ومن بعد،  لا لاشيء إلا لأني طيلة حياتي في الشرق الأوسط رحت أتعلم ألا أثق بأي شيء، بأي أحد؛ فهذا هو الشرط الأهم لتبقى هناك على قيد الحياة.

يبدأ المحامي بقراءة أجوبتي التي تلوتها على المحقيقين في اليوم السابق واحدا واحدا لتدقيقها، ويقوم المترجم بنقلها إلي. حين رحت أسمع أجوبتي عن هويتي واكتشافها ومآلاتها بأصوات الآخرين العالية شعرت بالعري، وكأني بهاتين اللغتين اللتين يستخدمهما المحامي والمترجم تعريناني وتغتصباني وأمام الآخرين كما لم يحدث لي قبلا.

أردت أن أطلب من المحامي التوقف، ألا يتابع القراءة، أني أريد المغادرة حالا، اني ماعدت أريد اللجوء لا هنا ولا في أي مكان في العالم. أردت أن أصرخ بهذا كله، لكني اختنقت، وثبتني مظهر المحامي البارد وابتساماته الصغيرة بين الإجابات في مقعدي مطأطئ الرأس وموافقا إياه على كل ما يدققه، ولاعنا ماضي وعمري كله.

في انتظار الباص الذي سيعيدني إلى مخيم درونتن وبعد أن غادرت غرفة المحامي كمتهم تم دمغه بتهمة المثلية التي أخفاها كل هذه السنين، وعاش الخوف والتهديد لأجلها مرارا، رغم أنه لم يكن يوما مسؤولا عنها، دخلت حمامات مركز التحقيق، ورحت أشهق باكيًا باختناق عن عمري كله. كل صنوف الألم والنبذ في الشرق لم تدفعني إلى مثل هذا البكاء الخانق، ونادما أني حولت مثليتي موضوعا للجوء. كم كان أهون أن تقتل في الشرق في لحظة، على أن تتعرى جوانيتك أمام الآخرين على هذا النحو المهين!

عشرة أشهر بعد نيل الإقامة ولا زلت أمارس دور المنتظر هذا، وفي كل ليلة أستيقظ مذعورا مشتتا بين حياتي التي هربت منها هناك، وحياتي التي لم تبدأ هنا بعد.

أتذكر الآن حين اشتكيت في بداية وجودي في هذا المخيم لموظفة “الكوا” تدخين شركاء غرفتي المتنمرين  طيلة الليل والكوابيس والأمراض التي أجنيها جراء ذلك، كيف طالبتني بأن أتحمل وأكون شاكرا أني هنا ولست في سوريا أو في أي مخيم آخر بائس، في مرات لاحقة وكلما تصادفت وهذه الموظفة راحت تعلو ضحكاتها وسخريتها مني صحبة صديقاتها.

رحت أفكر ماذا لو أن أمثال هذه الموظفة قرأوا أجوبتي في تحقيق الإقامة، ماذا لو أنها فعلت حقا، هل سيزيد انكشافي أمامها وتزيد سخريتها مني؟ في لحظة ضعف وغضب ذات يوم فكرت أن أشتكي على هذه الموظفة، محامي قال أنك في هولندا تستطيع ان تشتكي على كل من اساء إليك، ولو حتى من باب الشك.

لكني فوجئت حين زرت مكتب المنظمة الداعمة اللاجئين، أنهم طالبوني بالصمت، فلا مصلحة لي بذلك، فقد تضر هذه الشكوى  اجراءاتي للخروج من المخيم، لم يمكن الأمر مفاجئا لي في الحقيقة، فالسكوت على الأذى والصمت إزاء الإساءة هو دور أجدته جيدا في حياتي، فلا التحقيق ولا أجوبتي العارية ولا حق الإقامة الذي نلته غيّر شيئا في هذا،  لذا لتضرر زائد أو غريب أن واصلت تحمل الأذى هنا أيضا!

Advertisements