الثلج هذا الصباح: بارد في هولندا، حار في اسطنبول، معتدل في كل مكان!/ حازم درويش

|حازم درويش|

بدا الثلج الذي لمحته من نافذتك هذا الصباح مفاجئا، لا توقعات الطقس أشارت إليه بالأمس ولا أنت مستعد لتحمله. الثلج هنا ليس قصة ترويها لنفسك على سبيل تزجئة الوقت، بل وحشة ترد الواحد إلى كل مخاوفه التي يكد ليل نهار للهروب منها.

لم تكن صديقا للثلج قبلا في بلدك، كنت تملك نحوه شعورا محايدا، هو كسواه من أحوال الطقس المتبدلة كل حين. لكنه هنا انقلب خصما، لا تخوض وإياه أية معركة، لكنه يستل مكانه إليك من عينيك إلى حنجرتك إلى صدرك، ثم يجثم هناك حتى يذوب.

يقول لك الثلج وهو في جلسته الثقيلة الظل هذه الكثير عن الانتظارات التي تعيشها، عبثا تحاول أن ترمي بقدميك مشيا أو هرولة نحو حياتك التي تريدها، لكنك تعود لتجد نفسك مثبتا في أرضك بقيود الانتظار. يحكي لك الكثير عن خيانة الوقت وبرد الليالي والنهارات التي تقضيها وحيدا، وهو على عكس غيره من أحوال الطقس لا يعدك بشيء، فقط يحكي ببطء معلم كهل في حصة رياضيات مملة في ذاكرة لطفل هو الآخر ليس متصالحا وطقس الثلج.

المرة الوحيدة التي نجح فيها الثلج أن يكون لطيفا كانت في إحدى الشتاءات التي عشتها في اسطنبول قبل أعوام، كان الطقس مثلجا ذلك اليوم، والثلج في اسطنبول مر حتى أكثر من هنا. تسير في شوارع تقسيم  متأملا واجهات المحلات وعربة الترامواي الحمراء والعشاق تحت المظلات اثنين وأنت وحيد. تقضم كعكتك الساخنة التي اشتريتها قبل قليل من بائع عجوز وتغص مع كل قضمة بأنك وحيد.

تدخل المكتبة في وسط الشارع، ليس في ذهنك أن تقتني شيئا، فقط تتأمل جديد الكتب والقرطاسية وتدفأ قليلا. ألوان الكتب وعناوينها شهية كالعادة، والأغنية التي تصدح في أرجاء المكتبة تتحدث عن وحشة سوداء وثلج أبيض يهطل هناك، على شاطئ البحر الأسود.

تمد يدك إلى كتاب بغلاف بلون أخضر خفيف، فتقع يده فوق يدك، ترفع رأسك لترى صاحب اليد وما يريده منك، فتقع على عينيه الزيتونيتين، لا ترى منه سوى عينيه ولونهما الذي يشبه لون غلاف الكتاب الذي وقعت أكفكما عليه. يبتسم لك ويحدثك بتركية أنيقة عن الكتاب موضع الأكف، وعن أنه يستحق القراءة، ويدعوك للسير خارج المكتبة والحديث عن الكتاب.

توافقه وتخرجان، هو يحدثك عن الكتاب ونفسه ويبتسم وأنت شارد في عينيه العسليتين وكأنك لم تتحرك من مكانك بالقرب من ذلك الكتاب بلونه الأخضر الخفيف، ودفء كفه وقسوتها.

لا أعرف في ذلك المساء كيف تغيرت كل المعاني واستحال الثلج وشارع تقسيم الطويل والناس والعربات إلى أشياء أخرى غير ماهيته الحقيقية، كل شيء كان بلون عينيه، حتى اليوم وأنا أستعيد تلك المشاهد حروفا أغرق كلي بذلك اللون العسلي، أتوقف عن الكتابة، وفقط أسند رأسي إلى حائط أبيض فارغ خلفي وأتأمل عينيه كأنهما هنا الآن.

هل أنزل الأن من عينيه إلى الشفتين، أو سيخرج النص عم كنت عزمت على كتابته فيه؟

كان النص عن الثلج ثم كان سيذهب إلى تدرجات الأزرق التي تغمر سماء مدينة درونتن الهولندية هذا الصباح، بعد هطول الثلج طيلة ليلة أمس. سنعود لاحقا إلى ذلك، الآن سننزل إذا إلى الشفتين في ذلك المساء الاسطنبولي المثلج.

رويدا رويدا ونحن نتبادل أحاديث لا معنى لها عن اسطنبول وحلب والكتب صحبة الابتسامات راحت كفه اليسرى من جديد تقع على كفي اليمنى، بقصد وبدونه. لم يكن مراهقا، كان أربعينيا مرهفا وأبا لطفلين كما علمت منه لاحقا، لكنه كان جريئا ولذيذا كعلبة شوكولا فرنسية على طاولة في كوخ جبلي بعيد.

لذا حاولت ألا أتفاجأ حين سحبني من كفي اليمنى إياها وليرميني على حائط في مدخل بناء كبير وأنيق في ذلك الشارع الاسطنبولي، أظنني إن عدت الآن إلى اسطنبول سأهتدي إلى ذلك المبنى، لكن هل أهتدي إليك يا مرات، أجل كان اسمه مراد ولكن بلكنة تركية تبدل الدال تاء وتطحن القلب على صخرة بحرية لا يهتدي إليها أي قارب.

الاهتداء إلى “مرات” واسطنبول من جديد هذا قد يكون موضوعا لنص آخر، يبدو أننا لن نعرف الانتهاء من نصنا هذا، لذ لنعد إلى مدخل البناء الأنيق في شارع تقسيم، فمه نزل من عينيه إلى فمي، كله صعد إلى فمي، يحرك، يمص، يقبل، يتناول، يأكل، يشرب، يتنفس. كله من الفم، فمه، كله في الفم، فمي، العالم كله استحال مركزا مقطرا في لعابنا الحلو، في كل هذه اللحظات الفموية التي استحالت دهرا لن ينتهي.

لكنه كما توقعتم، انتهى لاحقا كما كل شيء، لكنه في لحظته تلك، وفي كل لحظاته التاليات بدا أبديا مرا من نوع توراتي لا يحول ولا يزول. لن نحيل النص حنينا إلى مرات أو إلى اسطنبول، لنعود إلى موضوعنا. ماذا كان؟ آه الثلج!

إذا، في ذلك المساء الاسطنبولي المثلج أعدت اكتشاف فمي وكل هذا العالم من حولي، آسف، أقصد؛ في ذلك المساء، أحببت الثلج لمرة أولى وأخيرة، شيء من نوع محبة الشهادة لدى المؤمنين بها، منحني الثلج حبه مرة واحدة واستشهد فيها، لن يستطيع فعل ذلك أكثر، أو من يدري قد يحدث هذا مرة مع رجل آخر هولندي هنا في هولندا أو تركي في اسطنبول، أظننا لن ننجح، أنا وأنت يا قارئي نريد  البقاء مع قصة مرات، مع ما حدث تلك القبلة الثلجية العاصفة. لكن لا مجال لذلك، إذا فعلت سأختنق بالكلمات التي أكتبها، ولربما أغلقت شاشة اللابتوب أمامي وخرجت في موعد مع أول رجل سيطلب مني ذلك، أو لأغلقت الستائر وحبست نفسي في غرفتي لأسبوع أو يزيد، أو لحذفت النص كله من البداية إلى هنا وقمت لصنع فنجان قهوة مرة سيفور على الغاز مرة واثنتين، ولن أشربه، وسأتلهى عن ذلك بتنظيف المطبخ، وبمحادثة الشاب الهولندي اللطيف الذي تعرفت عليه قبل أيام، لم أذق طعم فمه بعد، لكننا نلعب الأن لعبة الأرنب والسلحفاة لنطيل على سبيل عزة النفس ما كان مقررا منذ اللحظة الأولى للقائنا.

آه! رجل هولندي، وموعد غرامي سريع، ومرات البعيد، الثلج! أنا كنت أريد الكتابة عن الثلج، وأنت أيها القارئ البعيد الممدد على صوفا دافئة في نهاية أسبوع كسولة ومملة تريد أن تعرف ما حدث بعد القبلة مع مرات! أوف!

إذا الثلج، كنت أقول أني لا أحبه، وهذا لم يغيره مرات ولا تلك القبلة الاسطنبولية ولا كل علاقتنا الحالمة على مدى أشهر لاحقا. بل على العكس قلبي الآن وأنا أسرد هذا كله يكاد يكون أشبه بعنقود حصرم يابس، قلبي الآن وأنا أنظر إلى الثلج من النافذة وأتذكر هذا كله وأرويه مر! لا حلو كالعنب ولا حامض كالحصرم، بل مر! كقهوة تركية لم أشربها بعد هذا الصباح، كحلم لا يأتي ولا يذهب ولا يعود، فقط نرش سكرا مطحونا على ذكراه، نهضمه وسكره من العينين إلى اللسان إلى الرأس، نتلهى بالحلاوة عن الألم، لكن المر يأتي ويتسيد الحنجرة والصدر، ثم وتماما كالثلج الذي في القلب، لا يحول ولايزول، فقط تنام وتستيقظ لتنساه على وعد بحلم أزرق قريب، ولا يفعل هذا الصباح المثلج إلا أن يؤكد لك أنك فشلت بالنسيان كما فشلت بامتحانات انتظار مالم يأت بعد!

Advertisements