فوق القلب، فوق الشفتين، هناك في العينين! / حازم درويش

عيد الحب أو أنني سأفتقدك من جديد…

سنة ونصف مرت على آخر مرة رأيت فيه عينيك، تلك المرة الأخيرة على بعدها الزمني لا تزال فيهما عيناك القلقتان واللتان كانتا تمثلان دور الحزم واللامبالاة تبرقان أمامي و كأنهما هنا الآن. فقدت الكثير من الأشياء في رحلة اللجوء التي اخترتها لنفسي من حلب إلى أمستردام، لكني لم أفقد عينيك، تظلان تأتيان إلي كل يوم وكأن لا زمن مر عليهما ولا علينا ولا تعب.

ليست نظرة العينين التي تأتيني الآن واحدة، كل مرة تأتيني نظرة مختلفة، مرات تكون حنونة، واخرى صارمة، ومرات تأتيني كما كنت أراها في الصور جامدة ولا أستطيع فك أي من ألغازها. كنت تملك في عينيك سيلا من العيون يتبدل ويتشكل بحسب مزاجك أو بحسب حالة الشد والجذب التي كنا نعيشها في حبنا، أو بحسب ألوان قمصانك وستراتك.

كل مرة نظرات جديدة وعينين أخريين؛ عيناك الحانيتان يوم أهديتني المسبحة الفضية في مقهى منسي في حلب غيرهما يوم كنا نتجول قلقين بسترتك الكحلية وأنت ضائع ومتردد، غيرهما يوم كنت مريضا بسترة حمراء والشمس تغيب من فوق حي السريان، غيرهما وأنت تحبس دموعك في لقاء أردته أن يكون الأخير، غيرهما ونحن متخاصمان نسير في شارع النهر وحلب غارقة في الظلام!

لكن من بين كل تلك النظرات تظل تعود إلي كل يوم نظرتك وأنت تنتظرني بسترتك الصفراء في إسطنبول أثر رحلتك الطويلة من حلب، كنت في ذلك في أحب صورة أملكها عنك؛ طفل صغير يبحث بصدق عن يد حانية، وقلب منهك يريد أن يحصل ولو أدنى قدر من السلام.

في غمرة هذه النظرة عشنا أجمل أيامنا قبل أن تنقلب علينا بأيدينا وبواقعنا المر وقلوبنا المنهكة جحيما أنهكنا فيه واحدنا الآخر، وهربنا منه إلى إمام لا زلنا ندفع ثمنه كل يوم وسنظل. أتذكرك الآن ونافذة غرفتنا مفتوحة إلى البحر في إسطنبول ورأسي في حضنك متأملا عينيك وتريني صورتك الجديدة على الفايسبوك وتعليقات المعجبين عليها، محاولا إغاظتي ببعضها بين الجد والمزح، بإني أجبتك بأن هذه الصورة وسواها كما هؤلاء المعجبين لا يستطيعون القبض على لحظة واحدة مما أراه في عينيك من عوالم وأسرار تخفيها عن كل العالمين ولا تتبدى إلا عندما نكون معا في الظلمة أو في النور، وحدنا معا كنت تخرج كل نفسك التي جهدت طيلة حياتك لإخفائها، وما أحلاها نفسك هذه كما تتبدى في عينيك، وفي يديك، وفي كلك حين تأمن أنك لن تمتحن أو تقيم أو تحاسب.

حين عدت إلي بعد عامين من قصتنا التي أنهكتنا وأنهيتها أنت في حلب، كنت رغم انتظاري طيلة هذين العامين لك كل يوم خائفا من أنك لست صادقا أو متهيئا لها، فطلبت مني أن أنتظر لأرى عينيك، وحقا كان ذلك، رأيتك في عينيك بكل المحبة والصدق اللذين أتيتني بهما وأكثر، رأيتك كما كنت أهلا لكل الحب الذي أحببتك إياه، حتى بكل خيباته وتعبه وانتظاره.

مرات أخرى كثيرة لاحقا باتت تلك العينين اللتين رأيت العالم فيهما مرتان علي جدا وعلى أيامي، قاسيتان حتى أكثر من كل قدرتي على تمثيل القوة وتجاوز ضعفي ورغبتي في أخذ زمام حياة أردت ان أعيشها مع عينيك دون عن كل العالم، أو وما الذي كان تحمله رؤيتي عن العالم أكثر من عينيك؟!

لم تكن قصة الحب هذه سواء في العينيين أو في القلب أو فيما بينهما بسهلة على خياراتنا، إن في فصلها الأول في حلب، أو في فصلها اللاحق في إسطنبول، بل رحت وأنا أعلم أسرارا كثيرة أخفيتها عني، وأقاسي معك آلاما لم تكن قادرا على تصريفها إلا فيّ، أتجاوز نفسي ومخاوفي بالهروب من هذا كله إلى الأمام والرحيل إلى جنة حلم أوروبي  قادر أن يضمنا معا بسلام في بيت صغير ما.

ضممت عينيك إلى حقائبي مهاجرا في رحلة لم أتخيل أن أخوض دروبها وحيدا بحرا وبرا لولا أنني في كل لحظة تعب أو استسلام تراءت لي عينيك تنتظراني في نهاية الدرب، وحين وصلت لم أجدك، ولم تجدني، بل رميت إلى أيامي الباردة وحيدا كما كنت دائما، ورحت كلما حاولت أن أحبك أكثر، تتجاوز كل السبل الممكنة لتتنمر على نفسك وعلي ومستسلما لكل ما أقنعتني أنك هربت منه وأننا علينا مواصلة الهرب منه.

كانت أياما سوداء وبيضاء وملونة لم أتجاوزها إلا بشق النفس بعد أشهر طويلة، بل لم أتجاوزها إلى اليوم، كل يوم أبحث عنك في كل الوجوه ولا أجدك، في كل ابتسامة أو لمسة أريد لشيء ما أن يشبهك، أن يتبدى بلون واحد من تلك الألوان التي رأيتها في عينيك، لكن لا أنت تعود في وجوه أخرى، ولا أنا بقادر على تجاوزك إلى سواك.

حتى بعد سنة ونصف أمضيتها وحيدا في رحلة الحلم واللجوء ومراحلها الباردة المقيتة بين مخيمات اللاجئين وغرف التحقيق جراء حلم ارتكبناه معا وصدقتك فيه لاتزال تحضر إلى أيامي وأفتقدك فيها وكأنني لم اغادرك إلا قبل قليل، قبل قليل مر تماما كما كانت طعمة تلك القهوة التي كنت آتي بها إلى سريرنا وأغطي فناجينها بأطباق بانتظار أن تستيقظ.

ليلة عيد الحب هذا العام وبعد طول انتظار ستكون أول ليلة لي في بيتي الصغير في هولندا، البيت الذي حلمت يوما أن يضمنا معا وكل أحلامنا، ويطوي عنا كل ألوان الألم والوحدة التي عشناها سنين طويلة في شرقنا البائس، لكني في تلك الليلة هناك، كما في كل ليالي هنا سأكون وحيدا، سأبحث عن عينيك ولن أجدهما، سأهرب مني ومنهما إلى حياة أتمنى أن أجد فيها لون واحدا من سلام افتقدته طيلة حياتي، ولم أجده إلا في عينيك اللتين سأظل على حلم اللقاء بهما من جديد يوما ما ولو في قلوب ووجوه الآخرين!

Advertisements