اعترافاتٌ لأشياءَ قيد الغياب / عمر محمود سالم

|اعترافاتٌ لأشياءَ قيد الغياب|

|عمر محمود سالم |

|الصورة من فيلم (كاليغولا) -1979- |

هذه اعترافاتٌ مجروحة غير قابلةٍ لأن تُسردَ عبر الميكرفون. اعترافاتٌ مُنكسرة تشبه اعترافات الآلهة العظيمة، بلا جدوائيّتها، وقت حدوث كارثةٍ مُدمرة عجزت أصداء موقعها عن احتواء صرخةِ طفلٍ لايعرفُ رضعِ الطمأنينة من إصبع يده الصغيرة. حيثُ الكوارث، هي امتحانُ للآلهة، في وُجودها، وجودة تسييرها. حيث الكارثة، رهانٌ مابعد حدسيّ، يُشترط لتحسين، أسهم الفوقِ، في بورصةٍ تعاني الأرقام فيها التيه والتشظي. والكوارث تتنوّع بقدر تنوّع شرائع المُنقذ الكاذبة.

اعترافاتٌ يليقُ بها أن تكون رثائيّات صغيرة لأوقاتٍ كبيرة لاتشعرُ بالغصة عند مضغ الزمن. اعترافاتٌ لاسبيل لها إلى النسيان، إلاّ بجرح نفسها، لتجعل من الدمّاء المتساقطة منها مُرشداً لها إلى العبور. ذلك العبور الحالم الذي هو اليأس حين يتأنّق بحفاوةٍ لانتكاساته.

الاعترافات الصادقة هي الاعترافات المرتبكة

(إلى “بنت اسمها ذات”) ..

يالِــذات الذات؟ ففيما مضى كنت مهموماً بالبحث عن  ذاتي. والآن قد عثرت على ذاتي بواسطتكِ. اسمُكِ ذاك لوحده هو الذي أدّى بي إلى التصالح مع الحياة، بعد عهد خصامٍ طويل، دون أيّ نوعٍ من الاحترام المتبادل بيننا. لذلك عشقتُكِ جاهلاً الأسباب الحقيقيّة لذلك العشق. والعشق، خصامٌ، مع الحياة، لاتصالح بعده. فالعزاء بكِ لي، أنا الموقع على الخسارة، عند الطرفيْن، في سبيل عيْنيْك. الآن أبصرُ عينيْكِ كثيراً، لأفرغ نفسي على هاوية عمقهما. فكلمّا أبصرتُ عينيْكِ، شعرتُ بتعبِ من يواجه نهاية العالم وحيداً. عينيْك طاقةٌ للتحليقِ الشاسع بعيداً عن المحدود المتناثر من حوليَّ. عينيْكِ خرقٌ لمحدوديّتي أنا النّاظر لهما عن بُعدٍ ينسابُ مع حركة رمُوشهما.
*
في المرّة الأولى، التي أمعنتُ النظر فيها بعيْنيْكِ، شعرتُ بنعاسِ يشبه نُعاسَ الملائكة يومَ القيّامة، حين تنتهي مهمتهم الالهيّة ويسقطونَ نيّاماً خارقينَ وعدَ ميزة البدء العجيبة: “لاينامون أبداً”. النُعاسُ ذلكَ نعاسُ من استيقظَ الحياةَ كاملةً، دونِ غمضة عيْن مُعتبرة ولكنه سقط فجأةً حين رآكِ تصبغين بهما الواقع جمالاً ينسجُ نفسه بسخاءٍ كبير. نعاسٌ استهلكتُ فيه طاقة خيالي بمقدّر خارق للثانية الواحدة.
*
عينيْكِ مصدرُ تعبٍ غامضٍ لأمثالي المُهددّين بالإبطال الوجوديّ. أمثالي الذين جعلتهم رتابة الاصطناع المُنفرة يسعون لانقاذ ماتبقّى من الذوق فجأةً، دون فرصةٍ يتخيّرُ فيها الهوى وقتاً لترتيب تخيّله وإحكام أزرار قميصه الشاسع الزرقة.
*
من بين كُلّ الذين عشقوك، على طريقتهم الخاصة، أنا الوحيد الذي عشقكَ حتى تخلّل العدم وجوده. أنا موضُوعِكِ الهشّ ياذاتي. أنتِ تحقّقي الوجوديّ الذي لايعترف بعدمٍ قادم. أنا مُتذوِّتٌ من الآن فصاعداً. اشهَدْ يالله. لاتعرفين ذلك. لاتعرفين، ربّما على وجه التأكيد، أنني أعشقك. غير أني لمرةٍ أولى، في حياتي، أعرفُ ذلك في خوفٍ قاتل ينشر رهبته جمعاً دون تقسيطٍ تخفيفيّ. فمنذ اعوجاج سطور خطيّ، في الابتدائيّة بالقرية، ماكتبتُ هذه الكلمة. أعشقُكِ. ها أنا ذا اليوم أكتبها مُستقيمةً واضحة، في الجامعة بالمدينة الباحثة لنفسها عبثاً عن استمتاعٍ غافلٍ عن الوقت. هو قدرُ الكلمة في مصائر أشخاصٍ يشكّون في صحة قدرهم العقليّة. قدرٌ، في هالةِ، المفاجأة المُربكة التي لا أحد يستقبلُ سيرتها الذاتيّة أبداً.
*
كنتُ أحسبُكِ لاتعرفينني جيّداً لكن عينيْكِ-رسوليْ قلبكِ يعرفاننيّ جيّدا. أنا المُعلّق وحيداً في سبيلِ خلاص تنحاز فيه بوصلة الرؤية يسار القلب. لطالما قُمتِ بضبطي مُتلبساً أخمن عبثاً وضعية نظرتك القادمة. وضعيّة سيكون لها لامحالة وقعُ الرجفة في كياني الهزيل. رجفة حين تأتي لاتأتي إلاّ خرقاً للوجودِ، فتُشتته على جهاتِ عدة لكي لايعرفُ نفسه المحمومة من بعد.
*
عينانِ لايقول عمقهما قليلاً. عمقهما هو الهاوية فاغرةً فمها. عينانِ، هاويّةً، للانتحار نبيذا لاخزي بعده. انتحار مظفّرٌ بالخيبة فوزاً. خيبة لايستصغر عظمتها إلاّ مجروحي الخيال أولئك الذين عصروا أرواح أفئدتهم جيّداً ثم غسلوا أيديهم بعد ذلك على مقدمات نهر عيْنيك. وهكذا فإنهم حين رفعوا أيديهم من نهر عينيك كانوا قد خلدّوا خلودهم في خلود عيْنيك اللاّنهائي. خلود متاحٌ للجميع، يتراشقون فيه برثائيّاتٍ مُدّونة بإملاءٍ من بصيرة المحنة.

في ذمّ الخلود

مرةً تخيّلتُ أني متُّ، وكنتُ لأتخيّل ذلك فعلاً أحتاج لأموت. لاحقاً متُّ، ولكني لم أسترحْ. فقد كنتُ لأتخيّل أني لم أكنْ في حاجةٍ للخلود. والخلود هو سياسة نظام الحياة الخفيّة للهيمنة علينا في غيابنا المُفترض الذي لانستحقه إلاّ بعد طول معاناة. إنَّ الحياة التي هي لعنتنا لأنفسنا مُهوسّة بمُلاحقتنا. إنها تُخلّدنا لتسهلكنا بشراهةٍ تافهة، مرةً في العقيدة، ومرةً في الوطن، ومرةً في  أشياء أخرى حمقاء.
*
لا أريدُ على الإطلاق أن أكون خالداً. فلستُ إلهاً، ولانبياً، ولابطلاً، ولا أريد أن أحمل أياً من تلك الصفات الكبرى أيضاً. حسبي غيابٌ صغير، لا أشعرُ فيه بشيْء. غياب يرتاح فيه تعب عدمي.

منع تعاطي المفاجأة 

كُلّ ماليس مفاجأةً هو العاديُّ يعزي نفسه بأفيون الفرصة القادمة. المفاجأة هي الأهميّة، في حظٍ ما، مختتمة توفيقاً عشوائياً. المفاجأة شرط ناكِرٌ لنفسه بلامُقابِلٍ من أيِّ نوعٍ. المفاجأةُ هي ذلك المجانيّ النادّر الذي يُقوّم عكاز الحياة المُتهالك ساعة تُفتح أبواب الدّهر عن كارثةٍ ما. مادام هنالك فُجائيٌّ ما، من أيِّ نوعٍ، فالحياة في صحةٍ عاليّة. إنَّ الفجائيّ هو انتحارُ الوقت حين يسعى إلى اقتناصِ أهميةٍ لنفسه في حياتنا. الحياةُ ارتباط في حين أنّ المفاجأة انفصال يبذر الغربة في كُلّ شيء حتى الرتابة.
*
بلامُقدّماتٍ، يحدثُ كُلِّ شيءٍ فُجائياً. بلانهاياتٍ، يتلاشى كُلُّ شيءٍ فُجائياً. باسمِ المفاجأة قُضيَ أن لاقدر للرغبة. المُفاجأة هي الرغبة واضحةً حين تعلن عن قدوم ساعتها بلا علاماتٍ صغرى أو كُبرى.

Advertisements