هنا كانت تلعب روزا

 

1

هنا كانت تلعب روزا…

فوق هذا الحوض شبه الريفى عند حافة حجرية محدبة بأحجار حادة تشبه السكاكين:

كانت روزا تروح وتجيء على هذه العتبة التي تفصل بين ما هو أكيد إلى درجة البلاهة وبين الحوض الفوضوي منذ دهور والذي حاولت جدتي ثم والدة روزا (طانت إنعام) ثم أمي يائسات ان يرتبن فيه شتلات النعناع إلى جانب الزعتر إلى جانب الزهرة العجيبة إلى جانب شتلة التوت البري …عبثا كانت روزا تروح وتجيء على هذه العتبة التي تفصل بين ما يتثاءب من أصوات تذمرها وما ينتظرها خلف رؤوس الجبال.

هنا كانت تلعب روزا… قبل أن تقع على شجيرة الورد الجوري أو فلنقل على أشواكها وتنزف توقَا وتغادر عاتبة إلى أمريكا…

وها أنا أقف هنا بعد خمسة وأربعين عاما… شجيرة الجوري لا تزال هنا وكذلك أشواكها وكذا فوضى ذاك الحوض (ملاحظة: لقد اختفت الحدود تماما بين الشتلات المختلفة).

لقد بات هذا الحوض مجمعا لاخفاء الأجسام الحادة حتى أنني القيت اليوم فيه زجاج قنينة نبيذ مهشمة، والذي لا تستحق حدته حتى أن تقطع معصمي الأبيض الطري الناعم الرائع…هذا!

2

هنا كان يلعب رامي…

فوق هذا التراب شبه الريفي عند منحدر حاد يفضي إلى أفعى ماكرة:

كان رامي يروح ويجيء على هذا التراب الذي يفصل بين  ما هو واضح إلى درجة البلاهة وبين تلك الأساطير الدرامية الكاذبة التي حاول جدي تأليفها ليخلق لنا تاريخا… سبائك الذهب إلى جانب جمجمة زعيمنا الحقيقي إلى جانب خارطة تعلمنا كيف نصل إلى جنة فوقها مزبلة عبثا..

كان رامي يروح ويجيء على هذا التراب وينهر الديدان علها تنتفض وتصبح شاطئا.. مثلا.

هنا كان يلعب رامي… قبل أن يسقط في ما يشبه البئر الفارغة ويكتشف ثقل الخواء ويغادر إلى حي أهم، وها أنا أقف هنا بعد ثلاثة وثلاثين عاما…

لم تنبت على هذا التراب السحري المجبول بأشلاء الفرسان أشجار رمان بغدادي مسحور تتحول حبوبها في الخريف إلى أميرات نائمات ولا أشجار تجيبك عندما تسألها عن أسرار المكان ومكائده المنسية حتى أن شجرة الزيتون هذه التي نبتت هنا منذ عقد لا تستحق أن أعلق جسدي هذا الأبيض الرائع المشعر بخجل ، رحمة لظلها..

3

هنا كانت تقف سونيا،

بعد أن تدس السم تدريجي المفعول لزوجها الذي يشبه قطعة خراء لتنتظر رجلا أملس الجلد… بشارب.. لا يأتي …

كانت سونيا تروح وتجيء على حبل الغسيل الذي يفصل اللا- شيء عن كل شيء؛

عبثا،

كانت سونيا تروح وتجيء على حبل الغسيل، تنتظر رجلا شديدا لا يأتي حتى تشققت حواف قدماها وسقطت، بعد أن صبغت ثلاث قطرات الحبل المصنوع من القش بصفير الاختفاء…

ماتت سونيا…

وها أنا أقف هنا بعد عشرين عاما وقليل… لا تزال قطرات الدم تزين البلاط المهشم، أحاول أن أقحطها، يحاول الكلب السائب أن يلعقها علها تذوب في لعابه المُرّ (ذلك الكلب الذي دسست له السم تدريجي المفعول غضبا على حزن عيونه).

ها هو حبل الغسيل الأخير من قشّ.. لا يزال متدليا مع أنّ أنسجته بدأت تتفتت حتى أنه لا يستحق أن يلتف حول عنقي الأبيض، الطويل، الرائع هذا، الذي تراكمت عليه لثمات العشاق العابرين واحدة تلو الأخرى…

 

Advertisements