نحو بلاد…أبرد- نص تشكيلي

| راجي بطحيش |

تسير نملة على عنقي…تقف عند نقطة معينة قد تكون اكثر حلاوة من غيرها، ثم تلسعني بلؤم مبيّت  ، تغار النملة الشرموطة مني… تغار من ذاك الشبح الزهري المؤخرة وشائب العانة الذي لثم عنقي بعنف وبصق عذابه في حلقي في الشاطئ وهرب…

وانا أمشي ..انا أمشي على قاذورات الأمس وربما قبله وقبله، على مرتع للديدان السوداء الدقيقة التي تنظم وقفة احتجاجية عند أسفل جدار فنائي على شح اللحم البشري الذي تساقط من أمعائي ومع أمعائي في الأيام الكثيرة الأخيرة الراهنة المحتدمة الزاخرة المباركة العامرة …بالقذارة..

++++

يتهادى عنكبوت على معصمي، ذلك المتخم بالدماء الطازجة ودهاليز العمر الخائن، لا يلسعني العنكبوت ..هو لا يلسع…أي العنكبوت.. إنه يلتهم شيئا أو كائنا ما وكأنه جان ، يلعق العنكبوت فتات المني عند مفصل أوردتي الذي نسيت أن أغسله ، فاستيقظ فجرا لأصرخ من وجع المداعبة…

وأنا أمشي ..أنا أمشي على مخلفات كلاب سائبة في غرفة جلوسي ، وخيالاتي وعطشي وارتوائي ، أخطوا بين قطعة خراء وقطعة خراء أخرى، أكثر قدما عليها قطن اخضر اللون ، حتى أن رائحتها غابت أو انفلتت خارج نفسها ثم انكمشت  وتجمعت في نقطة سوداء من… يأس.. ربما

+++

وأنا أشاهد فيلم بورنو برازيلي على زجاج ببقع زيت ، يجري صرصار بني غامق على قدمي عند الفخذ تحديدا أعلاها قليلا ، لا اكاد الحظ وجوده أصلا، هو يجري من تحت ركام (أ) إلى بركة الصرف الصحي (ب) …يسخر الصرصار مني ..يتصرف بوقاحة وكإن البيت بيته ، يعتبر جسدي ممرا بين ردم ودمار وبين جورة عميقة بلا قاعدة لمخلفات آدمية..

وانا أمشي ..أنا أمشي على جزر بين بحار المياه العادمة أبحث عن قطعة أرض جافة ، نظيفة منسوبها الجرثومي راحل الى الصفر، اكتب فيها نصا، استنشق ياسمينا، انصت للآذان في المغرب، امضي بتصيد نسمات باردة لأعبئها في قوارير الشجن..

+++

توقظني أفعى رقطاء صغيرة من نومي ، تلدغني اسفل اذني تزرع في سما جديدا في السوق ولكنني لا اموت، أحك خصيتي وأيري المنتصب دون مبرر فتتدافع بقعة من الماس الأحمر على الفرشة ، تعود الأفعى إلى بيتها ، تتركني غارقا أفكر بسيجارة وقهوة  وركوة متعفنة ..

وانا أمشي  ..أمشي ..ماذا ينتظرني اليوم؟ صحراء شاسعة ورمال تستغل العرق الذي يسيل من على ظهري لتلتصق هناك وتحجب جروحي، مياه مقطوعة، ستائر مائلة، خيوط عنكبوت في كل زاوية حادة، كتب لم يقرأها أحد، كتب مهملة، يوميات تسعينية بدأ العث يأكلها ، ذكريات مقصومة الظهر ، صورة أخرى لأمي عندما كانت فراشة، تمثال جديد لأمي عندما أصبحت فراشة، غبار، قرف، قاذورات ، جثث مشطورة، أخرى متآكلة، صقر ينتظر خروجي من الكهف ليلتقطني ويفر نحو ديار…أنظف.

+++

تقف على شعر لحيتي الكثيف ناموسة أو ربما ذبابة أو كائن أخضر بينهما، يلتهم الكائن العجيب ما تبقى من فتات دم جف عند أطراف ذقني الأحمر أصلا، أتأمل في المرآة الصدئة أمامي، لا أرى شيئا سوى أكياس وجيوب رمادية تحت عيون بليدة، أهم بحلاقة ذقني، أفتح الحنفية أمامي …تنبع المياه  كمخلفات البركانى من ثقب على بعد نصف متر من قدمي. ..

وأنا أتراجع وأتراجع وأتراجع…تتقدم بقعة الماء نحوي ، شريحة الأرض هذه جفت من مئة عام على صور وقصاصات جرائد ورسائل ندم وعظام حشرات وكائنات أخرى وسجلات خطايا …تنفك كل هذه عن الأرض عندما  تلامسها المياه، تصعد إلى السطح وتطفو، تتقدم المياه نحوي ومعها كل تلك النفايات المؤلمة ، تتقدم المياه نحوي وتغمر الغبار، القرف، القاذورات ، الجثث المشطورة، الأخرى المتآكلة ، بينما ينتظرني حصان طائر  خارجا ليلتقطني ويفر نحو بلاد…أبرد.

Advertisements